الرباط -22- 12- 2009

لم يُعرف عن محمد الخامس، حين توليه الحكم خلفا لأبيه يوسف، بعدما وقع عليه الاختيار من طرف سلطات الإقامة الاستعمارية، بالرغم من حداثة سنه.. لم يُعرف عنه أنه كان يشكو من علة ما، بل على العكس من ذلك كان متمتعا بصحة بادية

_________________________________

للعيان، سيما من خلال ما كان يُروى عن ولعه ببعض ملذات الحياة الحسية وبالأخص النساء، حيث كان له حريم في قصره تؤثثه عشرات الحسان، إلا أن "أب الاستقلال" انطفأ فجأة في شهر رمضان من سنة 1961 وسنه لم تكن تتجاوز الثانية والخمسين عاما، وذلك على إثر خضوعه لعملية جراحية وُصفت بالبسيطة في الأنف، وقيل الكثير عن "لغز" وفاة محمد الخامس، ذهب بعضها، مثل تلك التي أوردها المؤرخ عبد الكريم الفيلالي، إلى حد التشكيك في وفاة "طبيعية" للمعني، بل وتحدث نفس المؤرخ في أحد حواراته الصحافية عن "لغز" وفاة صالح "الكوزيني" الذي كان أحد خلصاء محمد الخامس المقربين، لأنه كان قد اطلع على بعض أسرار موته - أي محمد الخامس – الأكثر من ذلك إن القيادي في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية "الفقيه البصري" كان قد شكك في برنامج على الهواء بقناة الجزيرة في الرواية المُساقة رسميا عن موت محمد الخامس
واليوم بعد مرور قرابة نصف قرن على وفاة محمد الخامس "الملغزة" لا يتوفر المغاربة على تفاصيل سجله الصحي الحقيقي، اللهم شذرات "تُقَطَّرُ" هنا وهناك منها القائلة بحصول أخطاء طبية أثناء الإعداد للعملية الجراحية التي أودت بحياته، ومن ذلك إجراؤها في مصحة القصر الملكي بالرباط، بدون مشاركة اطباء مختصين في الإنعاش والقلب، وكذا الإرتجالية التي تمت بها

ثمة من الشهادات القليلة عن الوضع الصحي للملك محمد الخامس، في اواخر سني حياته تلك التي أوردتها فاطمة اوفقير في كتابها المعروف "حدائق الملك" نجتزئ منه هذه الفقرات الدالة: ".. كان محمد الخامس مريضا (مستهل سنة 1961) ولم نكن نعلم بذلك، وبعد ذلك بشهر، وبينما كنا نتناول إفطار رمضان، أطلق علينا العبارة التالية: كلوا واشبعوا، ستأكلون قريبا في مأتم ملككم. أخذ الجميع هذه الملاحظة على محمل المزاح، وكيف كان لنا أن نشك في ذلك؟ كان لملك متورد الخدين، جميلا، في الثانية والخمسين من عمره، يبدو في صحة ممتازة، وحينما انفردتُ به أخبرته كم يبدو في أحسن حال.. ليُجيبني: – كلا يا فاطمة لو أنك تدرين كم أتألم، تنتابني الرغبة أحيانا أن أرمي بنفسي من النافذة لأرتاح من اوجاعي

ربما أراد أن يموت، وربما استسلم للسقوط. شعر بأن السلطة المطلقة تفلت من بين يديه، وبما أنه رغب في انتقال العرش إلى ابنه بأسرع ما يمكن. كان يعلم بأن مولاي الحسن حينما سيصبح ملكا سوف لن يقبل أبدا أن يُملى عليه سلوكه وأن تُحصر مهامه في افتتاح معارض الأقحوان

لم يكن أحد يعرف أي داء بالضبط كان يُضني الملك. شخصيا، أعتقد أنه كان مصابا بسرطان في منطقة الأذن، فقد كان يعاني باستمرار من آلام مبرحة. كانت آلامه شديدة ومرعبة إلى حد أنه لم يكن يطيق الصخب من حوله

نصحه الأطباء بعدم اللجوء إلى التدخل الجراحي، ولكن الألم الشديد جعله يقرر الخضوع لعملية جراحية في يوم 26 فبراير سنة 1961، بدون حضور طبيب مختص في القلب، بل فقط بحضور طبيب مختص في أمراض الأنف والأذن، كان يعلم أنه لن ينجو، كان يقول لنا ذلك ويُعلنه للمحيطين به. أعتقد أن ألما مبرحا قد يدلك على قرب النهاية

لم تكن العملية معقدة كثيرا، ولكن مشاكل قلبية ظهرت فأجري له تدليك للقلب، ولكن الأوان كان قد فات. فقد توقف عن التنفسبالرغم من هذه التفاصيل التي كانت تكتنف الوضع الصحي لمحمد الخامس، كما روتها فاطمة أوفقير، إلا أن لا شيء منها خرج للعموم حينها، ذلك أن ستارا سميكا من السرية كان يحيط بمسألة الوضع الصحي لمحمد الخامس، حتى حلت النهاية وهو بعد لم يتجاوز العقد الخامس من عمره، لذا كان وقع نبأ موته حينما أُذيع رسميا، صادما الجميع