أكادير-6- 09-2010

ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس،نصره الله ،مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل ،عشية اليوم الاثنين بمسجد محمد الخامس بمدينة أكادير ،درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية

_________________________________________________________________________________________________________________

وألقى درس اليوم ،بين يدي جلالة الملك الأستاذ أحمد رمزي،عضو المجلس العلمي الأعلى.

وتناول المحاضر بالدرس والتحليل موضوع "الطب وبعض قضاياه المستجدة في ضوء الأخلاق وضوابط الشريعة الإسلامية" ،انطلاقا من قوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" . صدق الله العظيم.

وأبرز المحاضر أن مدار هذا الحديث هو صون كرامة الانسان فيما استجد في الطب من قضايا تمس الانسان في كيانه الجسدي والنفسي لما للإنسان من مكانة خاصة يجب أن تراعى سواء في حالة صحته ومرضه أو في حياته ومماته.

وتطرق في درسه الى تاريخ الطب في الاسلام وانتقال الطب الاسلامي الى أوروبا وتفوق الطب الاوروبي نتيجة تقدم العلوم المواكبة وموقف الاسلام من العلوم الطبيعية وطريقة تعامله مع عامل الاجتهاد في الطب.

كما تناول المحاضر أربعة قضايا مستجدة وتتمثل في زرع الاعضاء والبصمة الجينية وما يسمى بالموت الرحيم والاجهاض.

وتوقف عند تفسير الاية الكريمة التي انطلق منها مبرزا أن التكريم معناه ان الله جعل الانسان نفيسا في صورته،بينما يراد بالتفضيل تمكين الانسان من الهيمنة بحيلته على المخلوقات الاخرى،مضيفا أن عظمة هذه الاية تبرز عند ربطها بالطب الذي قوامه العناية بالانسان وصون كرامته في جسده ونفسه وقاية وعلاجا ومعاملة.

وقال إن أحاديث كثيرة رويت عن الرسول (صلعم) تحث على الوقاية من الامراض وتحض على العلاج وأخذ الادوية،مشيرا الى أن العلماء جمعوا الاحاديث النبوية المتصلة بالطب وسموها الطب النبوي.

وأبرز أن احتراف الطب في عهد ازدهار الحضارة الاسلامية كان مقيدا بقواعد أخلاق الطب سميت بأدب الطبيب اي ما يسمى اليوم بأخلاقيات المهنة،مشيرا الى ان مهنة الطب كانت تابعة لنظام الحسبة حيث كان المحتسب يأخد العهد من الاطباء ويراقب معاملة الاطباء لمرضاهم ويرفع للقاضي ما يقع من نزاع بين الطبيب والمريض.

وذكر المحاضر بأن الطب كان يمارس بضوابط أخلاقية عامة أساسها العناية بالمريض والتأكد من مهارة الطبيب،أما اليوم فان الاطباء والباحثين والمفكرين يتساءلون عن مستقبل الاكتشافات الطبية الحديثة المتصلة بالتصرف الجراحي والمختبري في جسم الانسان.

واعتبر أن الاخلاقيات الحيوية أصبحت هما مشتركا باعتبارها منظومة ثقافية وعقائدية يجب أن تصون كرامة الانسان وتحميه من الزيغ الناتج عن تقدم علوم الحياة التي قد تدفع المغامر الى التوغل في انجازات طبية خطيرة باسم السبق العلمي او الاعلامي او قصد الربح المادي.

ولمواجهة هذا الزحف العلمي والتقني المتصل بجسم الانسان،ذكر المحاضر بإنشاء لجان الاخلاقيات الحيوية في كثير من البلدان تتميز بخصوصيتها الثقافية والسياسية والاجتماعية والعقائدية في الوقت الذي تسند فيه هذه الاخلاقيات في البلاد الاسلامية الى المرجعيات الدينية اذ هي التي تسهر على رعاية حقوق الله وحقوق العباد فلا تحل حراما ولا تحرم حلالا.

ويرى المحاضر ،في هذا الصدد ،أن جسم الانسان لا يجوز التصرف فيه كيفما اتفق لانه ملك الله الذي خلقه وكرمه ويرجع في هذا الى القران الكريم وسنة النبي والى اجتهاد علما ء الدين.

وأكد على ضرورة ايلاء الاهتمام لجملة من القيم تتمثل في حرمة الانسان  وصون الحياة مصداقا لقوله تعالى و"لاتلقوا بايديكم الى التهلكة"،وأن الاضرار بالغير حرام احتراما لكرامة الانسان ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح والضرورات تبيح المحظورات،والاحسان الذي ينطوي على محبة الناس والتفاني في خدمتهم.

بعد ذلك توقف المحاضر عند المراحل التاريخية لزرع الاعضاء مشيرا إلى ان المرء يجد في الفتاوى الصادرة عن مؤسسات العلوم الشرعية خلاصات جيدة وهي أن أخذ عضو من جسم انسان حي وزرعه في جسم آخر مضطر اليه ،لانقاذ حياته او لاستعادة وظيفة من وظائف اعضائه الاساسية ،هو عمل جائز لايتنافى مع الكرامة الانسانية بالنسبة للمأخوذ منه كما أن فيه مصلحة كبيرة وإعانة خيرة للمزروع فيه.

واعتبر هذا العمل مشروعا وحميدا اذا توفرت فيه الشروط التالية منها ألا يضر أخذ عضو من المتبرع به ضررا يخل بحياته العادية وأن يكون إعطاء العضو طوعا وأن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المضطر ،وأن يكون نجاح كل من عملية النزع والزرع محققا في العادة أو غالبا وأن تتم عملية النزع والزرع مجانا لان عضو الانسان لايباع لأنه ملك الله.

وذكر المحاضر بأن الظهير الشريف المتعلق بالتبرع بالأعضاء والانسجة البشرية واخذها وزرعها أحاط بكل ما يتصل بزرع الاعضاء بناء على الضوابط الشرعية كما تضمن أحكاما زجرية للمخالفين،مشيرا الى أن هذا الظهير وما تبعه من مراسيم وقرارات لا تترك المجال للعبث صونا لكرامة المتبرع بالعضو وكرامة المنتفع به.

وأضاف أن ما تقرر في نص الفتوى التي هي رأي شرعي أصبحت له قوة القانون بعد صدوره من أسمى مؤسسة في البلاد وهي إمارة المؤمنين وبذلك تتحدد المسؤوليات ويتدخل القضاء عند الضرورة.

وبخصوص البصمة الجينية،أوضح المحاضر أن الاسلام حريص على صحة النسب بالنص القرآني علما أنه تتم الاستعانة بالحمض الريبي النووي للتعرف على النسب،مبرزا أن الصبغة الجينية تفوق صدقيتها البصمة الاصبعية المعمول بها عادة.

وفي ما يتعلق بالاماتة الرحيمة،أوضح ان المسالة من المنظور الاخلاقي والعقائدي عد انتحارا بالنيابة وبالتالي حرمها الاسلام ومن ثمة فإن المسلمين يرفضون هذا النوع من الاماتة لانه بمثابة تدخل في العلاقة بين الخالق والمريض.

أما بخصوص قضية الاجهاض،فأشار الاستاذ المحاضر إلى أن الكثير من البلدان غير الاسلامية اباحته إما لتحديد النسل او لاسباب ايديوليجية او تعبيرا عن حرية الفرد في التصرف في جسده او خشية العارمؤكدا بأن الموقف الشرعي في الاجهاض أن للجنين نفسا لها حرمة تزداد بنموه .

وأوضح المحاضر أن موضوع الدرس يتوخى إبراز المنهاج الاصيل الذي اتبعه الاسلام في الاخلاق الطبية عامة وإظهار الطريقة التي استطاع بها المسلمون المزاوجة بين العقيدة والقضايا الطبية المستجدة في السنوات الاخيرة وذلك بفضل الاجتهاد الجماعي واستعانة علماء الدين بآراء الاطباء الذين أصبحوا في حاجة الى الاستعانة بأحكام الشريعة الاسلامية الغراء للسير بالطب على هدي كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد علماء الدين.

وأضاف أن الاطباء مؤتمنون على صحة الناس وقاية وبحثا وصونا لكرامتهم وأن المرجعية الطبية من حيث البحث العلمي والعلاج وأخلاقيات المهنة تخص الاطباء وإذا طرح عليهم أي إشكال من قبيل صون كرامة الانسان ورعاية حقوق الله وحقوق العباد وقول الشرع فإنهم يرجعون فيه إلى من لهم الدراية بأحكام الشريعة حتى يسيروا على نهج الضوابط الموفقة بين حاجات الدنيا وبين شرع الله وفي ذلك انضباط العمل الطبي وصلاح الامة واطمئنانها الاجتماعي والنفسي .

وأكد الاستاذ المحاضر أن الله من على المغرب بإمارة المؤمنين كمرجعية للأمة لحل ما يعترضها من عويص المشكلات مبرزا أن تدبير جلالة الملك لمسألة مدونة الاسرة خير مثال على الجمع بين رأي أهل الاختصاص وٍرأي النظر الشرعي لما فيه مصلحة المجتمع والامة وكذلك الشأن في ما يتعلق بمستجدات الشأن الطبي .

وفي ختام هذا الدرس،تقدم للسلام على أمير المؤمنين،الأستاذ إبراهيم صالح الحسيني،رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ورئيس هيئة الافتاء بنيجيريا،والأستاذ محمد منصور سي،الخليفة العام للطريقة التجانية بالسينغال،والأستاذ محمد مختار المفتي،عضو المجل العلمي للسادة الأشراف بالأردن.

كما تقدم للسلام على أمير المؤمنين،الأستاذ محمد الهادي المبروك القماطي،مستشار بالمحكمة الشرعية العليا بليبيا،والأستاذ عبد السميع الأنيس،من علماء الإمارات العربية المتحدة،والأستاذ نجيب عبد الوهاب الفيلي،أستاذ بكلية الحقوق بجامعة الإمارات.

وتقدم للسلام على أمير المؤمنين أيضا،الأستاذ شوقي آيدين،رئيس رئاسة الشؤون الدينية التركية وأستاذ الشؤون الدينية بجامعة أنقرة،والشيخ محمد الغزالي جكني،مفتي الجمهورية الغينية،والأستاذ عبد العزيز ساربا،شيخ الطريقة التجانية بكوت ديفوار.