الرباط -22- 12- 2009

حرص الحسن الثاني طوال فترة حكمه التي دامت ثمانية وثلاثين عاما، على منح انطباع راسخ عن توفره على صحة جيدة، فخلال كل ظهور علني له، وفي كل الصور والأشرطة، وما أكثرها، التي نُشرت وبُثت له، كان الدأب كبيرا على أن يبدو الملك

26728950_m

في أفضل حالاته، ويُمكن القول إن ذلك لم يكن بالشيء الهين، حيث كان يقتضي عملا مضنيا من لدن عشرات خدام البلاط، المختصين وغير المختصين، وأمهر المصورين وخبراء التجميل "الإعلامي" يقودهم مقربون من الحسن الثاني، وعلى رأسهم الجنرال الفولاذي في قسوته ومخزنيته "عبد الحفيظ العلوي" وزير التشريفات والقصور والأوسمة
  وكان مفارقا حقا، أن يتجاوز الحسن الثاني عقده السادس من عمره، ويستمر اعتبار تاريخ ميلاده مناسبة للاحتفال بعيد الشباب، في عملية إيحاء "خرافية" على أن الملك لا يشيخ رغم أنف الزمن

وبعيدا عن كل هذه الإعتبارات الإحترازية، والدأب على تسويق صورة إيجابية، حد المغالاة، في كثير من الأحيان عن صحة الحسن الثاني، فإن نُتف أخبار تسربت على مراحل، أفادت أنه - أي الحسن الثاني – عانى طوال سني حياته، من عدة علل، حيث كان قد اضطر وهو لا يزال في العقد الرابع من عمره إلى الخضوع لعدة عمليات جراحية، في الأنف والأمعاء، كما اشتكى من مشاكل في التنفس، جعلته يكره الإقامة في قصر الرباط أغلب فترات السنة، لضرورات الحكم، وكان يستغل كل الفرص ليذهب إلى قصوره في مدن داخل البلاد، بعيدا عن الساحل الأطلسي، سيما إلى مراكش وفاس وإفران

حينما تعرض الحسن الثاني لوعكته الصحية، التي أذنت بأفول شخصه، وهو في خضم زيارة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية سنة 1995، تناسلت الأخبار والإشاعات عن إصابته بمرض خطير، حدده البعض في سرطان القولون، والبعض الآخر في سرطان الرئة، أما العامة فكانوا يتداولون خُفية فيما بينهم، أن الملك مُصاب بـ "الضيقة" أي الربو

وبطبيعة الحال لم يتسرب شيء عن طبيعة "الوعكة" الصحية للحسن الثاني، واكتُفي بإذاعة بلاغ رسمي، أشار باقتضاب إلى إصابته بالتهاب رئوي، وأنه دخل المستشفى في أمريكا لتلقي العلاج

غير أن جزءا من الحقيقة، عكسته تقارير صحفية أجنبية، تحدثت حينها عن وجود الحسن الثاني في وضع صحي حرج، وكان دالا بهذا الصدد، حينها، أن أحد أعداد جريدة "القدس العربي" نشر خبرا عما تضمنته تلك التقارير تم منعه من دخول المغرب، أما الصحافة المحلية بالمغرب، فلم يكن من المُتصور أن تشير ولو همزا ولمزا إلى الموضوع، ناهيك عن أن يتحدث أحد المقربين من البلاط، عن الوضع الصحي للحسن الثاني علنا. كان مُفارقا حقا، أن تبدو علامات الوهن الشديد على الحسن الثاني في أواخر أيام حياته، دون أن يصدر أي بلاغ رسمي عن وضعه الصحي الحرج، فقد بلغ به الضعف خلال زيارته الرسمية يوم 14 يوليوز سنة 1999 إلى فرنسا، أن وجد صعوبة كبيرة في المشي، وهو ما دفع مُضيفه وصديقه الرئيس "جاك شيراك" إلى الإسرار في أذن دبلوماسيين غربيين كانوا ضمن المناسبة الاحتفالية الفرنسية، بأن أيام الحسن الثاني باتت معدودة. بالرغم من كل تلك العلامات إلا أن الوضع الصحي للملك ظل مُحاطا بسرية تامة، يتداوله أفراد أسرة العائلة الملكية وبعض كبار رجال الدولة، دون أن يتجاوز نطاق تداولهم، وهو ما يفسر أن وقع خبر وفاة الحسن الثاني بعد عصر يوم 23 من يوليوز سنة 1999 نزل بقوة على ملايين المتلقين، سيما في المغرب، حيث كان يا أيها الناس، يعتقدون بشكل خرافي، أن الملك الذي حكمهم طوال ما يقرب من أربعة عقود لا يموت. وفي ذلك واحدا من أقوى علامات نوع "الوعي" السياسي القروسطي لجل المغاربة