الرباط 7- 09 - 2009

الواقع الموضوعي هو أن هذه الآلة الخرافية التي انكبت على أوراق الملك الراحل الحسن الثاني العامة والخاصة لم تهدأ منذ وفاته إلى حين كتابة هذه السطور في ذكرى رحيله العاشرة، وهذا ينطبق على الداخل كما على خارج المغرب. متفقون

_______________________________

في التأويل يختفي الإتفاق وتتباين الآراء. وهناك باختصار رأي ممتعض اعتبر منذ البداية أن هوامش الإنفتاح دفعت إلى التهجم على الملك الراحل وتلطيخ صورته وتشويه تاريخه واقتحام خصوصياته واجترار قصص يختلط فيها الواقع بالخيال، وهذا، إضافة طبعاً إلى التركيز على محمد السادس، كان من أسباب سوء التفاهم الكبير بين الصحافة والقصر في المغرب.والرأي المقابل واضح لأنه يطبق ما يؤمن به إلا أنه طبعاً يجمع خليطاً غير متجانس من الفاعلين، ولكل فاعل مقاربته في إطار تعددية مشروعة، إلا أنها أحيانا قد تحمي الطفيليين.
أولا لا يمكن لأي أحد أن يطيل عمر الموتى مهما علا صوته أو طال قلمه، الذي يطيل عمر الموتى هو المجتمع نفسه. إن روح الحسن الثاني ظلت مخيمة على المغرب طيلة هذه العشر سنوات، والناس يتابعون ما فعل في الماضي بنوعٍ من صيغة الحاضر، وهذا خلق حاجة، وكل حاجة لابد لها لمن يلبيها، والمشكلة التي جرت أننا كنا إزاء بعض النماذج التي اندست لتميع هذا الواجب المهني الصحافي والمجتمعي الطبيعي، وكانت لها سلطة التشويش.
ثانيا إن الحسن الثاني هو الذي شكَّل المغرب كما نعيشه في ظروف مليئة بالمآسي والإصطدامات والآلام، وجلّ ما كان يجري خلال عملية التشكل هاته كان محروساً بالكتمان الحديدي المفروض، والنتيجة هي أننا  أصبحنا إزاء صندوق خرافي ترمى فيه آلاف القطع الملتهبة خلال ما يناهز الأربعين سنة، فكم من الوقت كنا سنحتاج بعد فتح هذا الصندوق لمجرد معاينة تفاصيل ما يحويه؟
إن الأيام الأولى للعهد الجديد بدأت بتصفية لجزء من تركة الحسن الثاني بعودة أبراهام السرفاتي ورفع الإقامة الإجبارية عن عبد السلام ياسين وإقالة إدريس البصري، ومجرد هذه البداية كانت تتطلب أطنانا من الورق لمواكبتها والنبش في ما جرى، والعودة إلى الصندوق إيَّاه.
لنتذكر كم من الوقت احتاجت الصحافة لتكشف تفاصيل ما جرى في المعتقل سيء الذكر تازمامارت بأمواته وحكاياته الخرافية وبأحيائه؟ كم من الوقت كنا نحتاج لننبش في حقيقة المحاولات الإنقلابية الرسمية في 71 و72 وغير الرسمية وهي عديدة؟ كم من الوقت كنا نحتاج لنعرف ما جرى في كل المعتقلات السرية والعلنية بأطنان الرصاص الذي نعرفه؟ كم احتاج إدريس البصري وحده من الصحافة لتسلط الضوء على 25 عاماً من تدبير استثنائي لرجل استثنائي في ملفات استثنائية؟ كم استغرقتنا حكايات الثوار الباحثين عن مجد ضائع بين الجزائر وسوريا وليبيا والمتقاطعين مع معارضة شرسة في الداخل مع ما أنجب هذا من محاكمات تاريخية من جهة وقمع وحشي من جهة أخرى؟ كم من الوقت كنا سنحتاج للمرور على خارطة القصور الفسيحة بدسائسها وصراعات رجالات بلاطها وعلاقات أب صارم حد التسلط مع محيطه الخديم والعائلي؟ كم من سنة متابعة كانت تحتاج كل هذه الأشياء مضافاً إليها شخصية ملك منخرط بقوة في تعقيدات السياسة الدولية وموجود في قلب أم قضايا العالم في الشرق الأوسط؟ وهذه الأسئلة غيض من فيض.
أعتقد أن مثل هذا لن يحصل مع الملك محمد السادس بعد عمر مديد، لسبب بسيط هو أن كل ما لم يعد ممكنا تناوله حول الحسن الثاني إلا بعد مماته، هو اليوم داخل دائرة الممكن مع ابنه على قيد حياته، وهذا يحسب له. ومن خلال هذه الزاوية بالضبط، يبدو أن أولئك الذين يعتقدون أن مشكل الصحافة في المغرب هو الصحافة نفسها وأن خطأها الجسيم هو المبالغة والتطاول على الملك، بتحليلهم هذا يصبحون الحاجز الحقيقي لأي تطور منشود للمجال، وخطأهم الجسيم هو أنهم يحولون بعض حوادث السير إلى قاعدة عامة ويسدلون الستار عن كل المجهود الذي بذلته المهنة خلال عقد ونيف ويسلطون الضوء فقط على تلك الكبوات التي لا تتجاوز أصابع اليد، وبهذا يعطون مبرراً للدولة لتتحلل من التزاماتها التي لم تف بها لحد الآن بخصوص هذا القطاع.
ثالث الأسباب التي جعلت الحسن الثاني لايزال حيّاً بيننا ونحن في ذكراه العاشرة هو الحاضر نفسه، إن الذي جرى هو أننا عشنا نراكم المآلات الغامضة لآمال البداية الواضحة، وأصبح المجال السياسي شبه مهجور، وإذا كان الناس قد عزفوا عن الإنتخابات وعن السياسة فإنهم بالمنطق سيعزفون عن متابعة أخبارها، وسيعزفون عن الصحف التي تقوم بتغطيتها، وإذا كان البعض يعتقد أن تطور المغرب لم يجد الصحافة التي يستحق، فإن الواقع هو أن تخلف المجال السياسي وترهل المؤسسات وبعض من كاريكاتورية الحكومة والحضيض الذي وصل إليه الصراع الحزبي وخروج السلطة الحقيقية من أيدي من يفترض أنهم يملكونها جعل الصحافة ضحيّة لهذا الحاضر الذي لا يثير الإهتمام. واسألوا أغلبية الزملاء الذين لا تنقصهم الكفاءة كيف يعانون وهم يقدمون عملاً مهنيا متميزاً ولا يجدون له الصدى المنشود بسبب هذا الواقع السياسي المتخلف. وهكذا كانت النتيجة هي أنه تم دفعنا إلى نوعين من الصحافة: صحافة التنفيس أو صحافة التاريخ.. بئسه من مآل.
من سيدفن الحسن الثاني مرة أخرى ومتى؟ الزمن وحده يملك الجواب