الرباط 7- 09 - 2009

بين التاريخ الرسمي لأب الاستقلال الذي رآه المغاربة في القمر، وما يحكيه بعض الفرنسيين الذين نبشوا في شخصيته، نعيد ترتيب أوراق السلطان والملك، الذي لم يقض غير سنوات قليلة من الحكم قبل أن يفاجئه الموت إثر عملية جراحية بسيطة لا تزال ألغازها خفية إلى اليوم

________________________________________________________

كتب العربي المساري، حينما قرر الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك إطلاق اسم محمد الخامس على إحدى شوارع العاصمة الفرنسية باريس، إن السلطان محمد الخامس كان العدو النبيل لفرنسا. لذلك عاد وريث الفكر الديغولي الرئيس جاك شيراك ليحتفي به على طريقته الخاصة وهو يطلق اسمه على واحد من شوارع عاصمة النور باريس.
ويضيف المساري، إن وثائق التاريخ تذكر كيف أن الوزير “ماسيغلي”، الذي أوفدته حكومة باريس إلى الرباط لاستطلاع الوضع عقب إعلان عريضة المطالبة بالاستقلال في يناير 1944، توجه بالسؤال إلى محمد الخامس: هل أنت مع فرنسا أم ضدها؟
فكان الجواب: صداقتي لفرنسا أنت تعرفها، ويجب أن تعرف أنني دائما إلى جانب شعبي.
بعد حوالي ثلاث سنوات من ذلك، عينت فرنسا عسكريا حازما هو الجنرال “ألفونص جوان”، مقيما عاما في الرباط، لكي يضبط الأوضاع على إثر تدهور جديد، وفي هذه المرة بسبب خطاب محمد الخامس في أبريل 1947، وفي أول مقابلة بين المقيم العام الجديد وملك البلاد، دار الحوار التالي:
= الملك، إن الشعوب اليوم ترغب في التقدم، وعلي أن أؤمن للشعب المغربي مطامحه.
= الجنرال: سأقوم بفحص مطامح الشعب المغربي المشروعة بروح تفهم واسع، لكن هناك مطامح غير مشروعة.
= الملك: الإنسان العاقل لا يطمح إلا إلى الأمور المشروعة.
المشروع وغير المشروع في قاموسين مختلفين لم يكن لهما نفس المدلول. وفي قاموس محمد الخامس، كان المشروع هو، استعادة الاستقلال في دائرة الصداقة مع فرنسا. وفي القاموس الآخر كان استقلال المغرب بالذات أمرا غير مشروع، بل هو ينطوي على إلغاء الصداقة مع فرنسا.
ولذلك فإن تخصيص ساحة لمحمد الخامس في العاصمة الفرنسية، كان هو العنوان على أن قاموس محمد الخامس كان يعتمد مرجعية سليمة، هي التي تتناغم مع حركة التاريخ.
كيف كتب لمحمد الخامس وهو المعزول المجرد من النفوذ أن ينجح؟ ولماذا نجح المهاتما غاندي وهو المنادي باللاعنف؟ ولماذا نجح نيلسون مانديلا، وهو الذي قبع في السجن مدة 28 عاما، وكانت قوته في رفضه الخروج من السجن في مقابل التنازل عن العمل المسلح. ذكرت هنا، يقول العربي المساري، ثلاثة رجال من سلالة واحدة من المقاومين، جمعهم مانديلا نفسه في تصريح له ورد فيه أنه تعلم المقاومة من غاندي ومحمد الخامس.
وكان قد سجل دوغول، في الجزء الثاني من مذكراته، ارتساماته عن محمد الخامس كالتالي:
“اتصلت رأسا لرأس مع محمد بن يوسف، هذا الشاب الغيور المتفرد الذي لا يخفي طموحه، في أن يكون على رأس بلد يتقدم نحو الرقي والاستقلال في يوم من الأيام. إنك حين تراه وتسمعه، تجده متحمسا تارة، وحذرا أخرى، ولكنه يبقى على الدوام مستعدا للاتفاق مع من يرغب في مساعدته على القيام بهذا الدور، ولكنه قادر على الوقوف بعناد ضد من يرغب في معارضته. وقد تقبلت السلطان محمد بن يوسف، كما هو، رجلا مصرا على أن يكون عظيما، ووطدت معه علاقات صداقة شخصية، وأبرمنا نوعا من التعاقد الودي للعمل المشترك، لم يتخل عنه أي منا، طالما كان في وسعي أن أتحدث باسم فرنسا”.
وكتب “فانسان أوريول”، أحد رؤساء الجمهورية الرابعة، في مذكراته، وقد احتك مع محمد الخامس في أواخر الأربعينات:
“لقد رأيت السلطان فأعرب لي عن فرحه بانتصار فرنسا الذي ساهم فيه جنوده. وقال لي: يجب أن تأخذوا في الاعتبار مساهمة المغرب. لقد قيل لشعبي ولجنوده إنهم كانوا يناضلون ويموتون في سبيل الحرية. وهم يطالبون الآن بأن يعاملوا على قدم المساواة مع جنود البلاد الأخرى وشعوبها. لقد أدلى إلى بهذا التصريح بلهجة حازمة وودية في نفس الوقت، ودعوته هذه يجب أن تلبى”.
وروى الشيخ أحمد التيجاني، مترجم معاني القرآن إلى الفرنسية، وكان معلما في القصر الملكي بالرباط، “إن الملك جمع أقرب المقربين إليه في البلاط، وكاشفهم بأنه يجتاز ضائقة مع الفرنسيين. وكان وحيدا حقا، إذ أودى القمع بحلفائه إلى السجون أو المنافي. وفيما حرص بعض الجلساء على أن يذكر بقوة فرنسا ومخاطر مواجهتها، مال محمد الخامس إلى الرأي الذي يغلب ضرورة اقتحام المواجهة، وكشف لمحدثيه أنه منذ اشتداد الأزمة مع الإقامة العامة، كان يدون في كناش يحتفظ به جنب سريره، هذه الآيات من القرآن الكريم:
“أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء، زلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله”.
“أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”.
“الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الصابرين”.
“ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم”.
جمع تلك الآيات ليتصبر بها، وليستحضرها في غمرة المواجهة، وكانت شديدة ومتصلة الحلقات، وفي جبهات متعددة. ووصل به الأمر إلى ما وصل من حيث المعاناة الشخصية التي اعتبر أنها حصته من الابتلاء.
وكتب “فرانسوا مورياك”، الكاتب الكاثوليكي الذي اعتبر أن نفي محمد الخامس يمس الضمير الفرنسي: “إنك تجد نفسك أمامه كما لو كنت في حضرة البابا”.
غير أنه خلف هذه الصورة البراقة للسلطان محمد ابن يوسف، الذي ظل المغاربة البدو ينادونه بـ «ابن سسف» في مظاهراتهم للعودة من المنفى، يتحدث بعض الدارسين لتاريخ الرجل على أن أباه لم يكن يوليه الكثير من الاهتمام، مقارنة مع ولديه مولاي إدريس ومولاي الحسن. بل إنه ظل يناديه بـ”حمادة” بدلا من محمد. لذلك يحكي الصحافي “ستيفن سميت” كيف أن محمد الخامس لم يحضر جنازة أبيه السلطان مولاي يوسف.
وحينما اختير سلطانا على المغرب خلفا لأبيه، كان مولعا بالنساء، كما تحكي بعض المؤلفات الفرنسية. غير أن طبيبه الخاص الدكتور هنري ديبوا روكبير، قال إنه كانت له اثنتان   شرعيتان هما للا عبلة والدة الحسن الثاني، وللا بهية، إضافة إلى عدد من الجواري.
كما تحدث بعض الفرنسيين عن عشقه للمال لدرجة أنه ترك لدى طبيبه الخاص “روكبير” أكثر من 60 مليون فرنك، وقرابة 700 قطعة ذهبية حين تم نفيه إلى كورسيكا ثم مدغشقر. وحينما عاد من المنفى، طالب الحكومة الفرنسية بتعويضات عن ستة وعشرين شهرا قضاها خارج البلاد حددها في 70 مليون فرنك. غير أن فرنسا صرفت له حوالي 600 مليون فرنك، كما يحكي الصحافي الفرنسي “إنياس دال”.
ويزيد المولعون بالنبش في هذا الشق في حب محمد الخامس لجمع المال حينما يرددون حكايته حينما قال لوزيره في الاقتصاد والمالية عبد الرحيم بوعبيد أن تشتري الدولة المغربية منه قصر الدار البيضاء، ثم تضعه رهن إشارته باعتباره ملكا للمغرب يجب أن يستفيد من” السكن الوظيفي”.
بين التاريخ الرسمي لأب الاستقلال الذي رآه المغاربة في القمر، وما يحكيه بعض الفرنسيين الذين نبشوا في شخصيته، نعيد ترتيب أوراق السلطان والملك، الذي لم يقض غير سنوات قليلة من الحكم قبل أن يفاجئه الموت إثر عملية جراحية بسيطة لا تزال ألغازها خفية إلى اليوم.