الرباط -28-5-2010

سيقترن ميلاد الأميرة للامريم  بوجود العائلة الملكية في روما لقضاء عطلة، فقد كان الحسن الثاني يرغب في بداية توليه الحكم أن يخرق جدار التقاليد، يوم كان سلاطين 

23249988_m

المغرب يجوبون أرجاء البلاد في رحلات «المحلة» التي كانت تضم العساكر والقواد وأفراد الحاشية الذين ينصبون الخيام في المنطقة التي يحلون بها، كعنوان لفرض الهيبة والاستقرار وإحياء صلة الرحم مع المواطنين.
بكل تأكيد، إذا ما ارتدت القفطان المغربي المزركش الألوان، فإنها تشد الانتباه إلى حضارة غنية،  بإبداع اللباس والمطبخ الذي يعكس العراقة والثقافة وسلامة الذوق. وإذا ما تدثرت بلباس عصري محتشم، استرعت الاهتمام إلى انتقاء رفيع، يجمع بين البساطة ورونق الحياة.
بيد أنه خلف المظهر المنطبع بالوقار والاحتشام، تكمن شخصية خلاقة، رائدة في العمل والتواضع ومحبة الآخرين الذين يبدون أعلى درجات المودة والتقدير والإعجاب بقدراتها الفائقة لكونها خير من يمثل التجربة المغربية في تكريم المرأة والعناية بالأطفال وبلورة مظاهر التضامن.

النبأ السعيد

679187152_small

إنها الأميرة للا مريم، التي رأت النور في العاصمة الإيطالية روما في السادس والعشرين من غشت 1962، سنة واحدة بعد تولي الملك الحسن الثاني مقاليد الحكم، فكانت البكر الأولى التي أصبح الملك بولادتها أبا، ولم يكن يدور في خلد أحد أنها ستعود إلى استنشاق هواء روما عندما ستقترن بشاب لم يكن بعيدا عن هواء إيطاليا من ناحية الأم، إنه فؤاد الفيلالي، نجل الوزير الأول الأسبق ووزير الخارجية عبد اللطيف الفيلالي، الذي كان يرأس مجموعة «أونا» الاقتصادية.
هي الأقدار التي ستجعل من شهر غشت ملتهب الحرارة في بلد يطل على بحرين لشمال خط الاستواء رمزا لأحداث مؤلمة ومفرحة. فبعد أقل من عشر سنوات على ثورة الملك والشعب في 20 غشت 1953 التي أرخت لبداية نهاية الاحتلال الأجنبي للمغرب، أطلقت المدافع طلقاتها معلنة عن النبأ السعيد بميلاد الأميرة للا مريم. فالأسرة الملكية التي تعرضت للنفي عادت، وما لبث أن تفرع عنها أبناء وأحفاد في صورة متلازمة لعلاقة انصهار بين القيادة والقاعدة.
لاشك أن الذين عاينوا صورة الأسرة الملكية في المنفى واحتفظوا بنظرة الأميرة للا أمينة، كانوا أكثر سعادة وهم يشاهدون الحسن الثاني يحتضن أميرة أخرى اسمها للا مريم، فالأبناء أيضا جزء من التاريخ في معاناته وإشراقاته، لكن الصورة ستتكرر في زمن آخر على يد حفيد محمد الخامس، أي يوم شاهد المغاربة الملك محمد السادس وهو يحتضن الأمير مولاي الحسن، ولي العهد، في الثامن من ماي 2003. فثمة علاقة انصهار تكيفها الوقائع التي تبدو عادية في حياة أمم غير عادية، تملك خصائص الصمود والتطور.

هدوء أميرة

23249988_m

لم ينشغل المغاربة قط بحياة الأمراء والأميرات، خارج سياق الاحترام الواجب لشخوصهم، فهم أبناء وإخوة وأكثر من أًصدقاء. وكما أن الناس على دين ملوكهم، فإنهم كذلك على سلوك أمرائهم، إذ يقدمون المثل في التواضع والتضامن والتضحية ونكران الذات. وصادف أن الأميرة للا مريم، بهدوئها واتزانها ورصانتها، دخلت قلوب الملايين من غير استئذان، فقد سبقتها صورة المرأة النموذجية التي تنشغل بهموم ومتاعب الآخرين، وفي كل مناسبة يكتشف المغاربة، رجالا ونساء، أن أميرتهم أكثر قربا إليهم، وأن صورتها لا تحتاج إلى تلميع أو تسويق أو استطلاعات رأي، فقد وجدت لتكون كذلك أميرة القلوب بامتياز.
سيقترن ميلاد الأميرة بوجود أسرتها الكريمة في روما لقضاء عطلة، فقد كان الحسن الثاني يرغب في بداية توليه الحكم أن يخرق جدار التقاليد، يوم كان سلاطين المغرب يجوبون أرجاء البلاد في رحلات «المحلة» التي كانت تضم العساكر والقواد وأفراد الحاشية الذين ينصبون الخيام في المنطقة التي يحلون بها، كعنوان لفرض الهيبة والاستقرار وإحياء صلة الرحم مع المواطنين.
لعلها كانت أول عطلة ينتشي بها الحسن الثاني، ولم يزد عمره عن 33 سنة، فقد كان يريد أن يكون أقرب إلى فلذات كبده، كي يسهر أكثر على تربية الأمراء والأميرات. وكما أنه ظل متفائلا بزيارة روما التي عرفت ميلاد ابنته البكر، فسيبقى كذلك ينشد التفاؤل من الإمبراطورية القديمة، خصوصا حين عهد إلى شركاء إيطاليين بإنجاز سدود كبرى تجمع بين تفاؤل الملك والمزارع في نفس الآن.
ومع أن زياراته إلى إيطاليا كانت قليلة، لم يفته يوما أن يحط الرحال في حاضرة الفاتيكان، تماما كما كان أول ملك عربي يحمل صفة أمير للمؤمنين يستضيف قداسة البابا يوحنا بولس الثاني.
ليس ضروريا أن تقرن مواقفه السياسية بالحياة الشخصية الحميمية، لكن الذين شاهدوا الملك، وقد أصبح جدا، لا يضعف أمام الأحداث والقلاقل، إذ يصبح إنسانا آخر، لا علاقة له بالسلطة، حين يضع يده في يد الحفيدة للا سكينة، ابنة الأميرة للا مريم، أدركوا كم كانت شخصية الأخيرة مؤثرة في سلوكه ووجدانه، فقد كانت الأميرة البكر التي رأى فيها الملك استمراريته كإنسان.
ومن عمق انشغالاته سيقتطع الحسن الثاني الأب لحظة فرح أبى إلا أن يشرك فيها كل المغاربة. فقد حدث يوما أن زف لشعبه أن ولي العهد الأمير سيدي محمد حاز على شهادة الباكالوريا، يقينا منه أن الحدث يعني كل المغاربة الذين يتوقون لتتبع مسار الأمير الذي سيصبح ملكا في الثالث والعشرين من يوليوز 1999.
والحال أن الحسن الثاني أبى إلا أن يشركهم في حفل زفاف الأميرة للا مريم، التي توجت عروسا في ليلة مشهودة تحول فيها كل بيت مغربي، وبطريقة تلقائية، إلى شريك في الفرح.
الحدث السعيد كان في مراكش. نصبت الخيام في ساحة فسيحة تحيط بامتدادها الأفقي أشجار البرتقال اليانعة. كل خيمة كانت تنوب عن مدينة أو إقليم، وكل فرقة فلكلورية كانت تصدح بأهازيجها الساحرة، فالفرحة لا تستثني أي بيت أو مدشر، من أقرب نقطة في المدينة الحمراء إلى أبعدها في السفوح والجبال والصحارى.
مناسبة زفاف الأميرة للا مريم كانت استثناء في تقاليد الأفراح، ففي الليلة ذاتها سيشاهد المغاربة ملكهم الراحل الحسن الثاني في صورة الأب البسيط الذي يفرح لزواج ابنته، كما سيشاهدون للمرة الأولى الملكة الأم للا لطيفة، التي سيتعرف عليها المغاربة لأول مرة
.
تحولت فضاءات القصر الملكي في مراكش إلى مهرجان حاشد بالألوان والأصوات التي كانت تختزل تقاليد وطقوس الأعراس المغربية عبر امتدادات الأجيال والأزمنة.
الطريق إلى اليونسكو ستكون أقرب إلى مسار الأميرة للا مريم، فبعد إكمال دراستها التي تدرجت عبر المدرسة المولوية والمعهد المولوي وجامعة محمد الخامس في الرباط، سيتم اختيار محطة اليونسكو لتلقي تداريب والمشاركة في فعاليات فكرية وثقافية، وسيكون لهذا الاختيار أثره في توجيه الأميرة نحو انشغالات ذات طابع إنساني، تنتفي فيها مظاهر التمييز بين الأجناس والأعراق والديانات، ليحل التعايش والتساكن وتفاعل الثقافات والحضارات.
غير أن الذهاب إلى اليونسكو من بلد مثل المغرب، حفل تاريخه بمظاهر حضارية، تعايش ضمنها المسلمون واليهود في إخاء، وامتدت روافده لتجمع بين تعدديات ذات أبعاد إسلامية وعربية وإفريقية وأمازيغية، سيدفع الأميرة إلى أن تضع هذا النموذج أمام مقاربات أخرى، تستخلص بعدها أن بداية المشوار من عمق المنظمة العالمية للثقافة والفنون، صادف لديها رغبات جامحة في التعريف بالخصوصيات المتميزة للمغرب العريق الذي تضرب جذوره في أعماق التاريخ.
لأكثر من سبب، كان الحسن الثاني يريد لبناته أن يكن أمهات أكثر منهن أميرات، تماما كما كان يريد لشقيقاته أن يمثلن أفضل صورة ممكنة للمرأة المغربية. وحين أسندت مهمة سفيرة للمغرب في بريطانيا إلى الأميرة للا عائشة في ستينيات القرن الماضي، كان ذلك مؤشرا لتوجه يروم تكريم المرأة المغربية التي أبانت عن قدرات عالية في الاضطلاع بأدوار محورية في بناء المجتمع، غير أن الأميرة للا مريم ستصبح سفيرة بدرجة خاصة، هالة خاصة لا تنطبق عليها مواصفات العمل الدبلوماسي، إنها سفيرة النوايا الحسنة لليونسكو منذ صيف 2001، بما يعنيه ذلك الاختيار من تكريم أعادها إلى المواقع الأولى التي انطلقت منها تحت فضاء اليونسكو، ثم تشق طريقا لا يتوقف نحو العوالم الإنسانية، بقلب عطوف ويد حنون، وبسمة تبعث الأمل.

سفيرة النوايا الحسنة

936074300

هي اليونسكو التي اختارتها الأمم المتحدة ذراعا أخرى لتثبيت الأمن والسلم عبر الثقافة والتربية وتفاعل الحضارات وصون الهويات والحفاظ على المآثر، ستختار الأميرة للا مريم سفيرة للنوايا الحسنة، في ضوء المهام المنوطة بها لمحاربة التمييز وحماية الأطفال وتحصين التراث الإنساني.
لم تكن المسافة التي عبرتها الأميرة في اتجاه اليونسكو مجرد رحلة سفر، ولكنها جسدت التزاما ويقينا لدى الأميرة التي تمرست عبر مهام وانشغالات كان هاجسها الأول العناية بالأطفال والانكباب على الملفات الاجتماعية، في سياق منظور يروم إتاحة المزيد من الفرص أمام أجيال المستقبل لإبراز قدراتهم.
فقد استرشدت الأميرة للا مريم بتجارب اليونسيف، ذات العلاقة برعاية وحماية الأطفال، في نطاق منظومة شمولية لا تتجزأ فيها حقوق الإنسان، طفلا كان أم رجلا، بل تتكامل وفق منظور الحق في الحياة الحرة والكريمة، أي الحياة التي تضمن الرعاية الصحية وحق وواجب التمدرس والاستفادة من كل أنواع الخدمات الاجتماعية والمدنية والقانونية، سيما وأن الأطفال يشار إليهم دائما بوضوح في كل الاتفاقيات ذات الارتباط بالقيم الإنسانية، كونهم أكثر ضحايا الحروب والكوارث والمآسي التي تحل بالشعوب، خصوصا الفقيرة والمعوزة التي يدفع فيها الأطفال ثمن أخطاء وعنجهية الكبار.

برلمان الطفل

صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم

لا ينص عليه دستور ولا تقره قوانين، لكنه تقليد بدرجة عالية من المسؤولية التربوية. إنه برلمان الطفل الذي سيعرف طريقه إلى الوجود عام 1999، وستأتي ولادته على يد الأميرة للا مريم الشغوفة بعالم الطفولة البريئة.
هناك في قبة البرلمان في الرباط، احتل أطفال نبهاء، قدموا من شتى أنحاء البلاد، المقاعد التي كان يرتمي عليها الناخبون الكبار. وفي مثل جلسات الأسئلة التي تكرس مبدأ الرقابة على الحكومة، شرع أولئك الأطفال في طرح الأسئلة التي تطال قواعد التربية ومجالات المعرفة القانونية والتزامات فصل السلط بين المؤسسات. فقد تحولت قاعة البرلمان إلى مدرسة حقيقية في إشاعة قيم الحرية والتمسك بالهوية والثوابت والتطلع إلى النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
مساء ذلك اليوم الذي رعته الأميرة، وهي ترأس أولى جلسات افتتاح برلمان الطفل في المغرب، كان استثناء في جذب اهتمام المشاهدين الذين عاينوا زرع البذور الأولى لديمقراطية المستقبل، وكان حظ الأطفال المغاربة كبيرا في أن رعاية هذه المؤسسة الناشئة أسندت إلى الأميرة للا مريم، في ضوء تكاثف جهود خبراء في التربية ودعاة تحديث المجتمع.
يوم أقرت الأمم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل التي انضم المغرب إليها في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان لا بد من البحث عن إطار لبلورة معالم هذه الحقوق، وأقربه أن يصبح للأطفال برلمان يعبرون من خلاله عن هواجسهم في ترسيخ ثقافة ديمقراطية جديدة، على أن اختيارات المشاركين لا تخضع لغير انتقائية النباهة والاجتهاد والكفاءة، حيث تنتفي الفوارق بين الفئات والفضاءات، ويتولى المرصد الوطني لحقوق الطفل المساهمة في اختيار المشاركين ومواضيع النقاش والتفكير ذات الأبعاد الوطنية والتربوية.

زي عسكري

في لحظة غير منفصلة عن مسار الأميرة التي وهبت نفسها للعمل الاجتماعي، شاهد المغاربة الأميرة للا مريم وهي ترتدي الزي العسكري، في إشارة إلى الجانب الآخر من الانضباط، فقد عينت رئيسة لمصالح الأعمال الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، إضافة إلى رئيسة مؤسسة الحسن الثاني لقدماء المحاربين، قبل أن يرقيها الملك محمد السادس إلى رتبة كولونيل ماجور في مهامها الاجتماعية التي اضطلعت بها على أحسن وجه وأكمل صورة.
لكن الرابط بين كل هذه المهام ذات الأبعاد الاجتماعية والحقوقية والإنسانية أن الأميرة للا مريم كانت متعددة الاهتمامات التي تلتقي عند هاجس واحد، تكريم المرأة والطفل والإنسان، بعيدا عن كل الحساسيات والاعتبارات، لذلك فقد راعت دائما التركيز على حقوق الطفل والمرأة، خصوصا في الأوضاع الاستثنائية، أي في زمن الحروب والنزاعات المسلحة والكوارث، وكان يعنيها دائما الانتصار للقيم الكونية التي لا تفرق بين البشر، فاستحقت أن تكون سفيرة الأزمات الصعبة والأزمات المستعصية، لتقدم دليلا آخر على أن المرأة المغربية تكون دائما في الواجهة. لم يكن الحسن الثاني ينهي زياراته الرسمية إلى الدول الشقيقة والصديقة من دون تفقد أوضاع المهاجرين المغاربة المقيمين في تلك الدول، كان الاتصال معهم جزءا من الحيثيات البروتوكولية التي تطبع أي زيارة، فقد كان يعنيه أن يكونوا نموذجا لسفراء غير مكلفين في تصحيح صورة المغرب.
ومع أنه كان يعاني، في آخر أيامه، من تداعيات المرض، فقد حرص خلال زيارة له إلى باريس عام 1999، على إسناد مهمة رئاسة مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج إلى الأميرة للا مريم، تأكيدا منه على أنها أهل للاضطلاع بتلك الأمانة، بحكم تكوينها ومجالات اهتماماتها الاجتماعية والإنسانية، إضافة إلى ربط الحوار بين مغاربة الخارج والقصر الملكي، من دون وسائط، غير أنه لم يفعل ذلك عبر قرار رسمي، وإنما تولى إعلانه شخصيا لدى استقباله وفدا من أفراد الجالية، في ما يشبه رسالة وداع ذات مغزى عميق حيال الانشغال بأوضاع المهاجرين الذين ظل يدعوهم إلى الانضباط لقوانين الدول المضيفة والتمسك بالهوية والدفاع عن المصالح العليا للبلاد.
وفهم ذلك الاختيار الذي سيبلوره الملك محمد السادس، عبر مؤسسات قائمة الذات، أنه رهان على أدوار محتملة للقوى الهائلة التي يجسدها المهاجرون المغاربة في الخارج.
  في تجربتها شهادات تقدير، انتزعتها بالقدرة على العمل والتحدي، وما بين دفاعها المستميت عن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل وتجربتها كمسؤولة عن مرصد الطفل، أو في نطاق توليها مسؤولية الاتحاد النسائي المغربي، أو في باقي المجالات الاجتماعية، شكلت قدوة للنساء المغربيات الغيورات. بيد أنها في حياتها العادية تقدم نموذجا آخر للتواضع والاتزان ونبل السلوك. فقد تعلمت من تجارب السفر، الذي يعتبر من أحب هواياتها، أن العالم صغير إلى الحد الذي تشترك فيه الهموم والمشاكل.  إنها امرأة عادية، لكنها نموذجية إلى حد الافتتان بتجربتها التي أهلتها لحيازة جائزة النساء الرائدات في العالم. ولم يكن تكريمها وساما لفائدتها فقط، بل كان وسام استحقاق لكل امرأة مغربية، في أي مركز أو مدشر أو مدرسة حياة