الرباط -19-03-2010

صدر قرار دولي رحب به المغرب والبوليساريو معا، هذه نقطة انطلاق جديدة، يرجى أن تقود إلى إحلال السلام الشامل في شمال غرب إفريقيا، لتتمكن شعوب المنطقة من تنفس الصعداء والبدء بالتخطيط لبناء طريق مشترك نحو التقدم والازدهار

__________________________________

  وذلك بعد عقود من التناحر العسكري والسياسي، والذي تسبب في شلل سياسي واقتصادي بالمغرب العربي، شلل لا نظير له في عصر العولمة

ينص قرار مجلس الأمن رقم 1754 على "إجراء مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو دون شروط مسبقة، مع الأخذ بعين الاعتبار، التطورات التي حصلت في الأشهر الأخيرة، وذلك بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل، دائم ومقبول من الطرفين" ويدعو القرار الأمين العام للأمم المتحدة إلى تنظيم المفاوضات تحت إشرافه وتقديم تقرير عن التقدم المنجز...

لقد فقد المغرب صحراءه عام 1884 واسترجعها عام 1975، وبين التاريخين تغير العالم تماما، لذا لم يكن الاسترجاع صافيا، ظهرت حركة انفصالية ودعمتها الجزائر، انطلقت المواجهات العسكرية وساهمت الحرب الباردة في تمويلها، وقد تم وقف إطلاق النار بينما كانت الحرب الباردة تلفظ أنفاسها، عاد النزاع إلى حجمه الطبيعي، لم يعد جزءا من مواجهة كونية أيديولوجية أساسا، أعلن الحسن الثاني أن الوطن غفور رحيم فالتحق عشرات القادة الصحراويون بالوطن الأم، دخلت الجزائر في دوامة الحرب الأهلية، ظهرت قضايا فساد في صفوف البوليساريو، تراجعت عدة دول عن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية... وقد أدى هذا المسلسل من التحولات إلى أن فقد النزاع أظافره، وهكذا سهل الاقتراب منه، وفي هذه اللحظة التقط المغرب الخيط وطرح مشروع "التفاوض بشأن الحكم الذاتي لجهة الصحراء في إطار سيادة المملكة ووحدتها الوطنية والترابية" وقد قدم المغرب مشروعه كتلبية لنداء الأمين العام الذي خير الأطراف المتنازعة بين الاستمرار في المأزق الحالي وبين الدخول في مفاوضات مباشرة.

اختار المغرب الحل الثاني واقترح مشروعا يمكن سكان الصحراء وبشكل ديمقراطي من تولي تدبير شؤونهم، وهذا حق مكفول لكافة الصحراويين، المتواجدين بالداخل و بالخارج، دون تمييز أو إقصاء.

وقد اعتبر قرار مجلس الأمن 1754 المقترح المغربي جادا وذا مصداقية، وأضاف أنه يفيد للتقدم إلى الأمام.

وهذا موقف إيجابي ميز مقترح المغرب عن مقترح البوليساريو الداعي إلى "حل سياسي متوافق حوله يحقق مبدأ حق تقرير المصير للشعب الصحراوي». وقد علق الأمين العام على موقف البوليساريو بأنه تكرار لمواقف سابقة تتحدث عن تصفية الاستعمار. وهذا تشبث بمقترح جيمس بيكر الذي تجاوزته الأحداث.

رغم ذلك أعلن ممثل البوليساريو في نيويورك ترحيبه باقتراح بان كي مون للتفاوض.

إلى هنا والأمور جيدة، لنر ما حدث منذ بدأت المفاوضات.

الطريق القديم

حين جلس الطرفان إلى طاولة واحدة، وضع كل طرف مشروع مقترحه أمامه كأرضية للنقاش، المغرب يتفاوض للوصول إلى صيغة حكم ذاتي موسع، البوليساريو تتفاوض لتنظيم الاستفتاء وتقرير المصير وتصفية الاستعمار وهلم جرجرة...

اكتشف الأمين العام أن الطرفين يتحدثان عن موضوعين مختلفين، عليه تذكير جليسيه بأننا تجاوزنا الحكاية القديمة، سيخبر المغرب أن خيار ربح كل شيء انتهى، سيذكر البوليساريو أن أسطوانة الاستفتاء والاستقلال بهتت، وأن هذا طريق تم استنفاده لذا يجب أن ننطلق من جديد، كي لا تيبس أرجُلنا لثلاثين سنة قادمة مرة أخرى.

كي لا يتكرر الماضي، فهم المغرب أن عليه أن يتنازل، لم يكن ذلك سهلا، لكن الضرورة.

من الجهة الأخرى، تستمر البوليساريو في التمسك بموقفها المعلن منذ بدء الحرب، بغض النظر عن الظروف الجديدة، حسب الانفصاليين يقطن حوالي 160 ألف شخص في مخيمات تندوف، سجلت الأمم المتحدة هوية 30ألف فقط، ومع ذلك لم تفهم البوليساريو بعد استحالة الاستفتاء، كما أنها لا تفهم الوضع الحقيقي في الصحراء... التحول الديموغرافي والمصالح الاقتصادية والمخاطر الأمنية ذات البعد الكوني في هذه الأيام التي تمول فيها دول أوروبية تنظيم القاعدة مقابل إطلاق سراح الرهائن...

للإشارة الدرس الأول في السياسية للمبتدئين هو "في توازن القوى يحدد الطرف الغالب قواعد اللعبة"، المغرب ربح الحرب وهو يعمل على تنمية الصحراء، وبإمكانه امتصاص الاحتجاجات العابرة في مدن الصحراء بشكل مستمر. وقد نجح في ذلك بعد أن فهم الدرس:

يبدأ الأمر برشق الشرطة بالحجارة وإثارة الشغب في الشوارع وتعليق أعلام البوليساريو على أعمدة الإنارة ليبدأ العنف ويُنصّب البعض مناضلين وتبعث الصور عبر الانترنيت للمنظمات الحقوقية وتسارع الحكومة المغربية لاحتواء الأزمة باسترضاء الشيوخ والأعيان ومنح المزيد من مناصب الشغل في الإنعاش أو توظيف حملة الشهادات... أما من يسجن فيقضي فترة قصيرة فيأتيه العفو الملكي فيكسب لقب معتقل سياسي أو سجين رأي ويحصل على اعتراف ولكنه يفهم أن الاستقواء بأسبانيا على المغرب غير منتج حتى لو بقي دون أكل لشهرين متتابعين، ليس لاص بالماص بل على عشب ملعب البيرنابيو... الدولة الإسبانية تدري مصالحها رغم جنون المثليين أمثال المخرج بيدرو ألمودوفار... الأساسي تهدأ الأمور في الصحراء عدة شهور في انتظار تكرار نفس المسلسل، يستمر هذا الوضع بينما يُصر عبد العزيز المراكشي على شعار كل شيء أو لا شيء... وهم يعرف الدعاء الصحراوي الشهير "اللهم هدئ الأوطان وانصر السلطان".

مسلك آخر

  بهكذا مدخل في المفاوضات، لن تكون هناك أية نتيجة، لذا يجب على مختلف الأطراف أن تُحين مواقفها، وهذا ما فعله المغرب، تحرك من موقعه إلى منصف الطريق، وعلى الطرف الآخر أن يتقدم ليكون اللقاء في المنتصف حلا مرضيا.

الخطاب الذي يجب أن يسود لتحقيق هذا الهدف هو التالي:

دام هذا النزاع ثلاثين سنة، لم يربح أحد شيئا، قتل الآلاف، ضاعت ملايير الدولارات، الحدود المغربية الجزائرية مغلقة، كوريا الجنوبية التي كانت في صفنا بداية السبعينات تجاوزتنا بشكل مذل، الفقر والإرهاب والهجرة يرهنون مستقبل المغرب العربي، ألا يستحق الجيل الحالي مستقبلا أفضل؟

نعم يستحق، لذلك يجب إيجاد حل نهائي لنزاع الصحراء، من أجل ذلك يجب على المغرب أن يبادر وعلى الأطراف الأخرى أن تتعاون، ويمكن أن يتم ذلك على عدة مستويات:

1-فتح نقاش حقيقي على صعيد الجبهة الداخلية، في التلفزيون والصحف لخلق أجواء مناسبة لتطبيق ما ستسفر عليه المفاوضات.

2-يجب أن تكون الأغلبية المطلقة من الوفد المغربي المتفاوض مشكلة من أبناء الصحراء، من خليهن ولد الرشيد والجماني وإبراهيم حكيم، يجب أن يجد قادة البوليساريو أبناء قبائلهم معهم في نفس الجلسة، يستحسن أن يجلس الجميع على الزرابي كي لا تفصل بينهم المكاتب والطاولات، ستساعد العادات والقبيلة  والثقافة المشتركة  على كسر الحاجز النفسي، ستدور كؤوس الشاي الصغيرة وستصبح الجلسة حميمة، مما سيسهل بداية الخروج من تندوف... ولكن كل هذا لا يمنع من تدقيق شروط الحكم الذاتي من باب الاحتياط.

3-يجب إحداث اختراق في الأجواء السائدة مع جارتنا الشرقية، لقد قال الزعيم الصحراوي العائد إلى المغرب السيد عمر الحضرمي "إن عنف الجزائر من خوفها" {القناة الثانية 27-04-2007}، هذا تقييم العارف، لذا على المغرب أن يطمئن الجزائر، شخصية الجزائري الحادة الطباع طيبة السريرة، ينطبق هذا على المواطن العادي وعلى الجنرال، هذا النوع من البشر يكون "ماء الوجه" مهما عنده، لنعطه ذلك، لذا يجب على المغربي "اللحلاح" أن يجد وصفة للتواصل بدل إدارة ظهره لجاره، لقد مشى فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أربع كيلومترات خلف نعش الحسن الثاني رحمه الله، هذا تقدير جيد، هذه علامة طيبوبة، يمكن أن يوجه الملك محمد السادس  دعوة للرئيس الجزائري لزيارة المغرب، هكذا دفعة واحدة، دعوة علنية هي بمثابة اعتراف وتقدير، وهذا مسلك يثمن الطيبوبة ويتجاهل الحدة. والأكيد أن بوتفليقة سيستجيب، لأن ملك المغرب اعترف بأهمية الجزائر، حتى إن رفض بوتفليقة لن يخسر محمد السادس شيئا، يقول عبد الله العروي إن للمغرب عمودا فقريا غير موجود في الدول الأخرى... للمغرب قوة ذاتية... يمكن للدولة أن تتسامح برنامج "في الواجهة" على القناة الثانية يوليوز 2000. هذا هو وقت التسامح.

4-يجب على المغرب أن يتحدث مع فرنسا ويعمل مع أمريكا، فمنطلقات اقتراح الحكم الذاتي تلتقي مع مشاريع أمريكا في العالم العربي، ينص مقترح الحكم الذاتي على ما يلي "تندرج هذه المبادرة في إطار مجتمع ديمقراطي حداثي، يركز على مقومات دولة القانون والحريات الفردية والجماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية"، بينما تخطط أمريكا – حسب توماس فريدمان الذي يشرح أفكار الرئيس الأمريكي أفضل مما يفعل الرئيس نفسه – لكسب قلوب وعقول أبناء العالم العربي والإسلامي وذلك بنشر قيم التقدم والحداثة والتجارة الحرة والديمقراطية والتنمية البشرية وحرية المرأة والتعليم المنفتح...

ممتاز، المغرب مع هذه القيم مبدئيا، وإذا حصل التلاقي مع أمريكا فهذا يسهل عمل الطرفين، أمريكا تحب الذين يتحدثون لغتها، وهي القوة المهيمنة القادرة دعم أي مشروع، وهذا مدخل للاستفادة من مواقف أعضاء الكونجرس الأمريكي 170 الذين حذروا بوش مما يخافه: "مع توسيع القاعدة وجماعات إرهابية أخري وجودها في شمال أفريقيا نشعر بقلق من أن الفشل في تسوية هذا الصراع الذي مضي عليه أكثر من 30 عاما يشكل خطرا علي أمن الولايات المتحدة والأمن الإقليمي" لا خلاف على هذا أيضا، وقد أضافت الرسالة "إن استقرار ورخاء شمال أفريقيا مهم للمصالح الأمنية للولايات المتحدة" فعلا، الرخاء هو ما تريديه شعوب المغرب العربي أيضا.

بهذا الشكل، سيقلل المغرب من معارضة الجزائر العنيدة والعناد لا غد له، سيكسب دعم أمريكا، سيحدث اختراقا على صعيد ملف الصحراء، وهذا سيريح إسبانيا التي تخشى أي اهتزاز في استقرار المغرب، شرط أن تفهم جارتنا الشمالية أننا نقايض موقفا مغربيا حازما تجاه الهجرة والمخدرات بموقف إسباني لصالح الوحدة الترابية للمغرب. أما موريتانيا فقد اكتشفت النفط والذهب والديمقراطية دفعة واحدة، وسيساعد ثراؤها على ازدهار الصحراء.

في هذه الخلطة التي سيديرها المغرب، تعتبر الجزائر هي الحلقة الأصعب، ويبدو أن الحاجز النفسي هو المشكل، فإذا نُفّست فُقاعتُه بمبادرة فجائية قوية، بانقضاض، ستتداعى قطع الدومنو، سيتحرر المغرب من مشكل مفتعل يعرقل انطلاقه، سيتفرغ للتنمية مع الجزائر يدا في يد، فقد أثبتت الوقائع الحالية أنهما ضعيفان معا، لا يمكن أن يقوى واحد ويضعف الآخر أو يقصيه من مؤتمر أمني أو من جغرافيا... لكن يمكن أن يصبحا قويين معا غدا، لديهما فرصة حظ مع الحكم الذاتي، إلى الأمام يا قادة المغرب العربي.