الرباط14-12-2009

لقد سجل التاريخ أن الملك الراحل الحسن الثاني يعد مهندس سياسة المغرب الخارجية ودبلوماسيته، ومحدد توجهاتها العامة

ومحدث أسسها ودعائمها الأولى، وكاد خبراء العلاقات الدولية أن يجمعوا على أن الملك الراحل مكّن بلاده من فرض مكانتها

_____________________________

على الصعيد العالمي، لمعرفته بالتاريخ ودرايته بأطواره، ووعيه الحاد والمبكر بأهمية الجيوسياسة وتتبعه عن قرب لتحولات موازين القوى وحدسه لمنحى تطورات المعطيات السياسية العالمية ومتطلباتها المرحلية والاستراتيجية، مما ساعده على اتخاذ عدة قرارات استعصى فهمها على الكثيرين لحظة الإقرار بها، ولم يتيسر فهمها إلا بعد مرور سنوات. وحسب العديد من المحللين، فقد لعبت بعض تلك القرارات أدوارا حيوية في استمرارية النظام الملكي رغم استهدافه داخليا وخارجيا. لكن بعد رحيل الملك الحسن الثاني برزت مجموعة من المشاكل جعلت السياسة الخارجية تتقهقر، مما خلق أحيانا حرجا ساهم في تضييع جملة من المكتسبات، سيما بخصوص الملفات الكبرى، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية.

لكن عموما، وبشهادة الكثيرين، شكل المجال الدبلوماسي والعلاقات الدولية فضاء برز فيه دهاء الملك الراحل. لقد كانت تربطه علاقات، ليس فقط مع رؤساء دول، وإنما كان يحرص على علاقته مع الأحزاب السياسية الأجنبية والأوساط الفنية والثقافية، ومع دور النشر عبر العالم، ومع مقاولين كبار دوليين، وكانت الكثير من هذه العلاقات والروابط شخصية، وظفها في تفعيل الاستثمار الأجنبي بالمغرب وخدمته.

وفي هذا الصدد لابد من التذكير بمجموعة من القمم العربية والإسلامية التي ترأسها الراحل الحسن الثاني، لعل أهمها قمة 1974 التي أقرت بالإجماع أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني، وموازاة مع ذلك، على المستوى الشعبي، تم الإقرار، انطلاقا من المغرب، أن القضية الفلسطينية تعتبر قضية وطنية.

كما أنه لا مندوحة من الإشارة أيضا إلى أن إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي كانت في المغرب سنة 1969، إذ على إثر حادث حريق القدس الشريف، دعا الراحل الحسن الثاني إلى عقد قمة إسلامية خرجت بتأسيس المنظمة وتقرر خلالها إنشاء لجنة القدس التي ظل يترأسها حتى وفاته، وخلفه على رأسها ولي عهده، الملك محمد السادس. آنذاك كان الراحل الحسن الثاني حكما في مجال الخلافات العربية - العربية.

كما أنه في عهده انطلق مسلسل التعاون مع السوق الأوروبية (الاتحاد الأوروبي حاليا)، وكذلك الأمر بخصوص التعاون المتوسطي ومنظمة دول غرب البحر الأبيض المتوسط (برشلونة 1995).
وقتئذ كانت دبلوماسية المغرب نشطة ومتنوعة، وكانت تربطنا علاقات مع المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، قليلة جدا آنذاك، هي الدول التي استطاعت الاحتفاظ بالتواصل المستمر مع المعسكرين معا. خلال تلك الفترة لم تعترف أي دولة من الاتحاد السوفياتي أو أوروبا الشرقية وأيضا أوروبا الغربية بـ "الجمهورية الصحراوية".

وحسب العديد من المتتبعين آنذاك، دون بترول ودون غاز، تمكنت الدبلوماسية المغربية من تحقيق تقدم في ملف الصحراء ضد موقف دولة غنية ببترولها وغازها.