الرباط 12-11-2009

من أقرب المقربين للحسن الثاني، في السراء والضراء، في حالتي الغضب والمرح، خلال اللقاءات الشفافة ومن وراء الستار.. إنه عين الملك الأخرى التي لا تغمض. منصبه كوزير دائم للإعلام ثم للدولة مكنه من الاطلاع على الشؤون الداخلية والخارجية للمغرب، من أواخر خمسينيات القرن الماضي حتى 2001 حين أقعده المرض

___________________________________________________

إستوزر 11 مرة من 1961 إلى غاية 2001، تكلف خلالها بمهام عديدة أخرى، منها رئاسة مجموعة "ماروك سوار" و"مستشار خاص" أكثر قربا من الملك في قضايا ذات طابع خاص جدا. إنه أحمد العلوي، الوزير الدائم في حكومات المغرب المستقل.

التحق بالراحل الحسن الثاني إلى الدار الآخرة في دجنبر 2002 وأخذ معه أسراره الكبرى والصغرى، ورغم أن قلمه كان سيّالا فإنه لم يترك مذكرات، كما لم يسبق أن كشف عن أي سر. وإذا كان إدريس البصري قد نعت نفسه بـ "خادمة بيت" الملكية والقصر والدولة، فإن أحمد العلوي كان بالنسبة للملك الحسن الثاني بمثابة "العلبة السوداء" بالنسبة للطائرة..
إنه ابن عم الملك الراحل الحسن الثاني، الذي ارتبط اسمه بمجموعة "ماروك سوار"، لقد رافق الملك محمد السادس عندما كان وليا للعهد خلال أغلب تحركاته الرسمية، بعد أن رافق جده محمد الخامس ووالده الحسن الثاني من قبل.

في بداية مشواره السياسي بباريس، ارتبط بزعماء المستقبل وحرص دائما على البقاء قريبا منهم.. فقد تكلف أحمد العلوي بتسليم عريضة المطالبة برجوع السلطان محمد الخامس من منفاه بمدغشقر والمطالبة بالاستقلال، إلى "كي مولي" رئيس الجمعية العامة الفرنسية آنذاك.
خلال الفترة الموالية لسنة 1959 عرفت بلادنا ظهور فريق من رجالات النظام، وبالضبط بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في مايو 1960، وظل هؤلاء الرجال حراس الحُكم الأقوياء طيلة فترة حياتهم منذ أن ارتبطوا بالبلاط، ضمنهم إدريس المحمدي، محمد الغزاوي، أحمد رضا كديرة، عبد الكريم الخطيب، المحجوبي أحرضان وغيرهم كثير. وكان أحمد العلوي عنصرا فاعلا ضمن هذه المجموعة منذ البداية. ليأتي لاحقا دور محمد أوفقير، أحمد الدليمي وإدريس البصري، فاستمر معهم الوزير الدائم أحمد العلوي.

ظل أحمد العلوي مقربا ومساعدا للملك محمد الخامس لفترة طويلة، واحتفظ بنفس الموقع على عهد نجله الحسن الثاني منذ كان وليا للعهد. وعندما أصبح هذا الأخير ملكا، أضحى أحمد العلوي من أقرب المقربين وأكثر الشخصيات من حاشية الملك الراحل الحسن الثاني الذين يرتاح لمجالستهم، لطبيعته المرحة وأسلوبه الساخر، حد الإثارة أحيانا. وقد كانت سرعة بديهته تسعفه في الخروج من المواقف والوضعيات الحرجة بسهولة.

بقي الوزير الدائم، عين الملك الأخرى في كل مكان، يتمتع إلى جانب قسوة تعامله مع العاملين تحت إمرته، بوقاحة أسطورية، صاحب لسان ساخر وباع طويل في الفكاهة والسخرية السوداء. كان وزيره، ورجل دولته نهارا ومؤنسه ليلا، ينظم له حفلاته وسهراته الخاصة ويرافقه في أسفاره.

لقد أجمع المقربون منه على القول إنه استطاع بروحه المرحة أن يخلق من حوله شبكة واسعة من الأصدقاء والمعارف، إذ لم تكن روح النكتة تفارقه، مما جعل الملك الراحل الحسن الثاني لا يكلفه بأية مهمة رسمية. وحسب ما جاء على لسان إدريس البصري، لم يكن أحمد العلوي رجل العمل الميداني بقدر ما كان رجل الفكر والتأمل، إذ كان يبدي آراءه في مختلف المشاريع ويدلي بدلوه في مختلف القضايا.

أحمد العلوي هو أيضا واحد من فئة نادرة، داخل محيط الملك، الذين يتوفرون على قوة الشخصية وحرية التعبير والتفكير في حضرة الملك الحسن الثاني، الذي قال عنه ذات مرة :" إن أحمد العلوي كان موجودا في كل المنعطفات الأخيرة عبر تاريخ المغرب الحديث".
في هذا الملف، سنُسلط الضوء، على أهم مراحل حياة شخصية سياسية رسمية، استثنائية، ونعرض جملة من المواقف والتصرفات التي عايشها الرجل، وأضفى عليها من روحه المرحة الساخرة، والهدف، فتح بعض من صفحات تاريخ المغرب الحديث، من زاوية حياة رجل عايش ثلاثة ملوك من موقع القُرب من البلاط.


طالب الطب الذي سرقته أضواء السياسة والإعلام

أحمد العلوي واحد من أوائل الشباب المغاربة، الذين ولجوا أقسام المدارس الفرنسية بفاس مبكرا، ثم انتقل إلى عاصمة الأنوار باريس، لدراسة الطب، لكنه لم يذهب حتى آخر المشوار، حيث جذبته أضواء السياسة والصحافة، في بداية العقد الرابع من القرن العشرين، وبالتحديد عند بداية الحرب العالمية الثانية.

استطاع الشاب أحمد العلوي أن يعقد صلات وعلاقات وثيقة، في مقامه بفرنسا، من بينها شخصيات مغربية، لعبت أدوارا بارزة في مخاض المُطالبة بالاستقلال.

تشبث أحمد العلوي بحكاية وجود رابطة عائلية بالأسرة الملكية، حددها في علاقة عمومة بالملك الحسن الثاني، فاكسبه ذلك موقعا مُميزا في أوساط المغاربة بالخارج؛ ونظرا لاطلاعه الواسع على لغة موليير وإلمامه بالثقافة الفرنسية، فقد حظي أيضا باحترام الشخصيات الفرنسية ورجالات الإعلام، سيما أنه ظل مُطلعا على التطورات السياسية بفرنسا.

كما نسج علاقات وطيدة مع النخبة الجزائرية والتونسية، التي تولت فيما بعد، أدوارا قيادية في بلدانها، وضمن هؤلاء الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، حيث كانت بين الرجلين علاقة صداقة وثيقة وحميمية.

وذلك ما ساعده لاحقا على لعب أدوار بارزة، سيما في مجال السياسة الخارجية.
أقام أحمد العلوي حين مقامه الفرنسي، بباريس في شقة مجاورة لسكن لعبد اللطيف بن جلون، في زقاق "سيربونت" بباريس، وكان بيت هذا الأخير، بمثابة قبلة يحج إليها الطلبة المغاربة من كل حدب وصوب.

تقلد أحمد العلوي، حين عودته لمغرب ما بعد الإستقلال، مناصب وزارية في كل الحكومات المُتعاقبة، إلا أنه أطال البقاء في وزارة الإعلام، فضلا عن منصبه كوزير دولة من دون حقيبة، وذلك منذ سنة 1960، كما كان وزيرا للأنباء والسياحة في الحكومة الخامسة (27 مايو 1960 ـ فبراير 1991)، وحاز إضافة إلى الإعلام والسياحة، الفنون الجميلة، في الحكومة السادسة (26 فبراير ـ 2 يونيو 1961) واحتفظ بنفس المنصب في الحكومة السابعة (يونيو 1961 ـ 5 يناير 1963) وهي الحكومة التي عيّن فيها عبد الهادي بوطالب، كاتبا للدولة في الأنباء. كما كان أحمد العلوي وزيرا للدولة من غشت 1983 إلى غاية تسعينات القرن الماضي، ضمن الحكومة الثالثة والعشرين (27 فبراير 1995 ـ 14 فبراير 1998).

شهد مفاوضات "إيكس ليبان" والتقى بزعماء الحركة الوطنية، وكان مراسل جريدة "العلم" بفرنسا لنقل وقائع المفاوضات المذكورة.

في خمسينيات القرن الماضي، شغل أحمد العلوي منصب مدير قسم الإعلام والصحافة بالديوان الملكي، على عهد الملك محمد الخامس. ومنذ ذلك الحين أصبح ظل الملك القادم، الراحل الحسن الثاني، الذي لم يكن يفارقه في رحلاته منذ سنة 1957. وقد استمر على هذه الحال بعد وفاة الملك محمد الخامس، إذ أضحى دائم الحضور، في كل الأنشطة الملكية والرسمية، لا يفارق الملك في تنقلاته المعلنة والخاصة.


علاقة خاصة وحميمية بالحسن الثاني


تعود علاقة أحمد العلوي بالملك الحسن الثاني إلى فجر خمسينيات القرن الماضي، عندما كان في طور الشباب، فقد كانت بحوزة الأول شقة صغيرة لـ "القصاير" بحي حسان بالرباط، يقضي فيها، رفقة ثلة من الأصدقاء، ليالي "خاصة" كان يتردد عليها بين الحين والآخر، الملك الراحل الحسن الثاني (ولي العهد وقتئذ). وقد بلغ يوما إلى علم والده، الملك الراحل محمد الخامس، أن ولي عهده يوجد بالشقة المذكورة، فأراد الوقوف على الأمر بنفسه. توجه الملك الوقور إلى حي حسان وطرق باب الشقة، آنذاك كانت الثلة بداخلها. تعرف أحمد العلوي على الملك عبر "عين يهودا" (العين البلورية المثبتة على باب شقته) ثم رجع مسرعا وأمر الحاضرين بالتزام الصمت والسكون، وأخذ منديلا نسويا وضعه على رأسه قصد التستر، ثم فتح الباب بحذر، بالقدر الذي لا يظهر جسمه كاملا، مخفيا وجهه بالنظر إلى الأسفل مفتعلا "الحشمة" المبالغ فيها، ثم قال بصوت رقيق "أنا خادمة.. سيدي أحمد غير موجود، لقد خرجوا منذ مدة" انطلت الحيلة على الملك محمد الخامس، فرجع إلى القصر دون أن يتمكن من ضبط ولي عهده، متلبسا، كما كان يود من وشى بالحسن الثاني لأبيه.

توفي أحمد العلوي، يوم السبت 7 دجنبر 2003، بعد معاناة مريرة مع الشلل، دامت أكثر من عقد (11 سنة)، حيث أُصيب به في غضون سنة 1994.

قال عنه إدريس البصري، الذي رافقه في عدة حكومات متعاقبة:" عندما نفى الاستعمار الفرنسي الملك محمد الخامس، بمعية العائلة الملكية سنة 1953، أبرى أحمد العلوي قلمه وبدأ يكتب مدافعا عن عدالة القضية المغربية. ولما عاد الملك من منفاه تطوّع أحمد العلوي لخدمة العرش والملك، ووضع نفسه في خدمة الملك الحسن الثاني ونيل رضاه طيلة عهده".

كان أحمد العلوي أيضا صديق طفولة لعبد اللطيف الفيلالي، الوزير الأول الأسبق وصهر الملك، بأحياء فاس الجديد. وقد صرح ذات مرة أنه تعلم منه رفقة أخيه (عبد اللطيف وشقيقه) أسرار لغة موليير التي كان يتقنها.

ويراه عبد الحفيظ الرويسي قطبا من أقطاب الصحافة المغربية المكتوبة.. كما أنه سبق لأحمد العلوي أن اشتغل في صحيفة "أكسيون دي بوبل" (ACTION DU PEUPLE) التي أدارها محمد بن الحسن الوزاني خلال ثلاثينيات القرن الماضي.


"فتوحات" أحمد العلوي في مجاله


حينما كان أحمد العلوي مُشرفا على قطاع الإعلام، دأب الحسن الثاني على توصية أبنائه بعدم تصديق الصحف المغربية. وفي هذا الصدد قال مصطفى العلوي، قيدوم الصحافة المغربية الصادرة باللغة العربية:"إن الملك الراحل الحسن الثاني كان يوصي أبناءه بتصديق أمرين اثنين تنشرهما الصحافة المغربية، هما ثمن الصحيفة وعنوانها [..] تلك كانت نظرة الحسن الثاني للإعلام، لقد ربى جيلا بأكمله، على هذه النظرة للصحافة".

يرجع الفضل إلى أحمد العلوي في تأسيس أول نواة إعلامية بالقصر الملكي، وكان أول من تولى مهمة ناطق غير رسمي، باسم البلاط بعد الاستقلال. وكان يدأب على القول، في مؤتمراته الصحافية، إنه لا وجود لأسئلة مزعجة بالنسبة له، بل هناك أجوبة مزعجة.

كان أحمد العلوي كثير الحركة، لا يستقر في مكان، فمثلا حين يكون مُنتظرا في الدار البيضاء يظهر في طانطان مرتديا "الدراعية" الزرقاء، اللباس التقليدي الصحراوي.. أقام مكتبه على متن سيارته، في وقت لم يكن الهاتف النقال متوفرا. وقد شوهد أكثر من مرة يأخذ جهاز راديو من يد دركي ليتصل بالجريدة لإملاء افتتاحيته أو خبر أو تعليق من تاونات أو "حد كورت"...

لقد كان حقا عين الملك الحسن الثاني، والصحفي الملتزم ملكيا، الذي لا يمكن أن يزايد عليه أحد في هذا المضمار. وقد كان يقول بهذا الخصوص :"الصحافة في البلدان النامية، هي أولا مصلحة عمومية، والصحفي مُوجّه ومعلم". اشتهر أحمد العلوي بافتتاحياته المثيرة، التي كان يحررها الصحفي "هيزوك"، اليهودي المغربي تحت إشراف الأول. وقد سبق أن سادت مقولة في هذا الباب مفادها، أن الذي يريد معرفة ما يروج بخلد الحسن الثاني، ما عليه سوى الاطلاع على افتتاحيات أحمد العلوي التي كانت تتصدر جريدة "لوماتان".

وقد راجت حكاية غريبة بخصوص استوزاره لأول مرة، تقول :" تم الإعلان في الأيام الأخيرة لحكم الملك محمد الخامس (27 مايو 1960) عن الحكومة الخامسة برئاسة (ولي العهد الحسن الثاني)، وكان أحمد العلوي مكلفا بعرض أسماء الوزراء المرشحين، واستغل الفرصة لإضافة اسمه بقلمه إلى لائحة الاستوزار كوزير للإعلام.

ومنذ تعيينه وزيرا في هذا القطاع أضحى أحمد العلوي وصيا على الإذاعة والتلفزة والجرائد، والمصدر الرسمي للأخبار والأنشطة الملكية. ويُعدّ كذلك أول وزير مغربي فكر في تأسيس جريدة، اختار لها اسم "جريدتك"، التي صدر عددها الأول سنة 1970.

غالبا ما كان أحمد العلوي ينسق بين الملك الحسن الثاني ومحاوريه الصحفيين. هذا ما حدث مع حميد برادة حين كان صحفيا بمجلة "جون أفريك" و"جان دانييل" مدير مجلة "لونوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية. فأحمد العلوي هو الذي تسلم من حميد برادة مذكرة قصيرة موجهة إلى الملك تضمنت اقتراحا بإجراء حوارات مطولة مع الحسن الثاني حول العالم العربي، لأنه بعد وفاة "ناحوم غولدمان" فإن الوحيد الذي يُمكن أن ينصت له العرب واليهود آنذاك، هو ملك المغرب، سرعان ما كبرت هذه الفكرة، لتتحول فيما بعد ـ حسب أكثر من مصدر مطلع ـ إلى كتاب "مذكرات ملك" التي حققها الحسن الثاني رفقة الصحفي الفرنسي "إيريك لوران".
أما بخصوص حوار مجلة "لونوفيل أوبسرفاتور"، فقد اتصل حميد برادة بأحمد العلوي من وراء الستار، لكي ينسق بين الملك والصحفي "جان دانييل".

لأحمد العلوي حكايات مع الإذاعة والتلفزة المغربية (إـ ت ـ م)، ففي الستينات كان لا يتوانى عن مهاتفة أحد الموظفين أو التقنيين لتنبيهه إلى أبسط الأشياء أو لتأنيبه، كلما لاحظ مشهدا أو لقطة أو حركة لا يستحسنها.

اتصل أحمد العلوي هاتفيا، في أحد الأيام نهاية الخمسينيات، بالمهدي المنجرة ـ مدير الإذاعة وقتئذ ـ وأنبه على قِصَرِ مدة مقتطف خطاب الملك محمد الخامس الذي تم بثه على الأثير ضمن النشرة الإخبارية، حيث استغرق 5 دقائق، في حين كانت مدة الخطاب تتجاوز 40 دقيقة، فكان جواب مدير الإذاعة آنئذ:" في الراديو نعتمد الإيجاز والاختزال"، لكن أحمد العلوي لم يقتنع، وأصر على أنه كلما تعلق الأمر بالملك، يجب في نظره الخروج عن العرف المعمول به، وانتهى خلاف الرجلين، بتقديم المهدي المنجرة لاستقالته من إدارة الإذاعة.

ذات مرة حضر الملك الحس الثاني عرضا مسرحيا بمسرح محمد الخامس بالرباط، وكانت "إ.ت.م" في بدايتها، فحرص أحمد العلوي على مراقبة الشادة والفادة، إذ حشر أنفه في كل شيء بما في ذلك توجيه المصورين والكاميرات وزوايا الالتقاط.. انزعج الملك من تصرفات وزيره في الإعلام، بسبب كثرة تحركه يمينا وشمالا، وتدخلاته المثيرة للانتباه، فناداه وأمره أن يلتزم الهدوء ويكف عن النط هنا وهناك.

خلال سنتها الأولى (مارس 1962) كانت "إ.ت.م" لا تبث برامجها سوى 4 ساعات في اليوم، وكان أحمد العلوي يجلس أمام الشاشة الصغيرة حيثما وُجد، ليُتابع لحظة بلحظة كل البرامج والمشاهد من بداية البث حتى نهايته، بعين مُراقبة مُتصيدة ل "الهفوات". وقد حدث أن بثت التلفزة حفلا غنائيا أندلسيا، فلاحظ أحمد العلوي أن أحد العازفين كان ينتعل وحده "بلغة" دون باقي أعضاء الجوق، فأمسك على التو بسماعة الهاتف واتصل بالمدير ليقول له إن أحد الموسيقيين ينتعل بلغة، وعلى الكاميرا أن تتفادى التقاطه، غير أن المصور، سها بعد لحظة، وأعاد التقاط صاحب البلغة، فرنّ هاتف المدير من جديد ليقول له أحمد العلوي بلهجة غاضبة: "البلغة ظهرت ثانيا"!

وقد حدث مرة، ودون سابق إنذار، أن اتصل بإدارة "إ.ت.م" لإدراج "أم كلثوم" في برنامج ذلك اليوم لأنه اشتاق إلى سماعها، يقول أحد المصادر.

وفي مايو 1964، كان النقاش جاريا على أشده بالبرلمان، حول ملتمس الرقابة وسحب الثقة من الحكومة، المودع من طرف حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ضد حكومة باحنيني، المعينة من طرف الملك. وكان هذا السجال يُبث مباشرة على شاشة التلفزة، كما كانت المرة الأولى التي واجه فيها البرلمان نازلة سحب الثقة من الحكومة، لذا تابع كل المغاربة مجريات الحدث باهتمام كبير.

اكتظت المقاهي عن آخرها بالمواطنين، وهم يحملقون في الشاشة الصغيرة، لأن قلة من المغاربة من كانوا يمتلكون جهاز تلفزة آنذاك... الجميع يتابع تدخلات نواب الأمة تحت قبة البرلمان مباشرة على الهواء. وكان الملك الحسن الثاني قد سمح للمعارضة بالتعبير على مرأى ومسمع المغاربة، سعيا منه للنيل منها (أي المعارضة)، سيما تلك المحسوبة على الحزب الاتحادي، إلا أنه مع مداخلة عبد اللطيف بنجلون، شقيق الشهيد عمر بنجلون، تحوّل السجال بالبرلمان إلى محاكمة النظام الفردي، الذي اعتمده وقتئذ الحسن الثاني. وقبل إنهاء المداخلة المذكورة، نهض وزير الأنباء أحمد العلوي، من مكانه وهمّ بمغادرة القاعة مهرولا، تنبّه أحد النواب الاتحاديين للأمر فقفز من كرسيه وهو يصرخ :"إنه ذاهب ليقطع البث المباشر..."، وفعلا اتصل أحمد العلوي هاتفيا بمدير (إ.ت.م) وأمر بتوقيف البث، فتحققت بذلك نبوءة البرلماني بعد ثوان فقط.
آنذاك كان الملك الحسن الثاني، يتابع البرنامج من مكتبه ليفاجأ بانقطاع البث.. اتصل بإدارة (إ.ت.م) وعلم بما قام به وزيره فأمر بإعادة البث حالا، لأنه كان يعلم أن المغاربة قاطبة يتابعون " الحدث" باهتمام.

يكاد يكون أحمد العلوي، الصحفي المغربي الوحيد، في عهد الحسن الثاني، الذي كان يمنح نفسه حق الاستئثار بطرح الأسئلة، باسم الصحافة المغربية، في الندوات الصحفية الخاصة بالملك الحسن الثاني، كما أنه وحده الذي كان يسأل دون سواه، باعتباره صحفيا وليس وزيرا، كما لم يكن بمقدور أي صحفي مغربي، أن يطرح سؤالا في حضور أحمد العلوي، كان أمرا محسوما وبمثابة قاعدة، وكان على من تجاوزها أن ينتظر ما لا يحمد عقباه.

أكثر من ذلك، إن أحمد العلوي كان يعرف كل الصحفيين، كل واحد باسمه، يساند من يريد ويهمش من لا يعجبه، وعُرِف عنه أيضا أنه كان يتعامل معهم بمزاجية.

ومن الطرائف التي تناولتها إحدى المجلات المغربية، أنه خلال إحدى الأنشطة، لاحظ أن أحد الصحفيين قد أكثر من التحرك والتنقل من مكان إلى آخر، الشيء الذي أزعجه كوزير، فنادى على المعني بالأمر وطلب منه بطاقته المهنية (الصحافة)، وعندما ناولها إياه، سأله بنبرة جدية أربكته :" ما هي مهنتك آوليدي؟"، فرد عليه متلعثما :"أنا صحفي آسيدي"، فأمسك بالبطاقة ثم مزقها على مرأى من صاحبها وقال له:"الآن لم تعد صحافيا، فاذهب إلى حال سبيلك". وبذلك تخلص وزير الأنباء الدائم، من الصحفي الذي عكر مزاجه في ذلك اليوم!

ومن الطرائف التي رويت عنه، أيضا، أنه كان يتجاذب أطراف الحديث مع مبارك البكاي الهبيل، عندما كان رئيسا للحكومة، فسأله أحمد العلوي خلال إحدى اجتماعات مجلس الحكومة:"كيف تمشي الأمور؟" في إشارة غير مُباشرة إلى إعاقته حيث كان "البكاي" أعرج، فطن هذا الأخير للأمر فأجابه دون انتظار: "كيفما تاتشوف آ مولاي أحمد"، ملوحا هو الآخر لإعاقته البصرية.
ومن الطرائف التي ظلت تلاحق أحمد العلوي، حكايته مع سائقه، بضواحي بوزنيقة.

كان أحمد العلوي يمنع سائقه من الالتفات إلى المقاعد الخلفية حيث كان دائما يجلس، وحدث مرة وهو في طريق عودته من إحدى السهرات الملاح، أن أمر سائقه بالتوقف ليتمكن من التبول. ابتعد الوزير ولم يغادر السائق مقوده، غير أن الريح أقفلت الباب وظن المسكين أن الوزير قد قضى حاجته وعاد، إلى الركوب، فأطلق العنان لمحرك السيارة دون أن يلتفت إلى الخلف، تاركا إياه في العراء بين بوزنيقة والرباط، ولم يكتشف الأمر إلا عندما وصل إلى إقامة الوزير. في تلك الأثناء تمكن أحمد العلوي من إيقاف شاحنة أوصلته إلى منزله، ثم أمر سائقه بأخذ مكانه على متن الشاحنة، وطلب من سائقها أن يذهب به إلى نفس المكان ويتركه هناك.


أحمد العلوي يصرخ في حضرة الحسن الثاني

عندما قام الحسن الثاني بتعيين عبد الهادي بوطالب وزيرا للأنباء، خلفا لأحمد العلوي، غضب هذا الأخير بشدة ولم يهضم تنحيته لصالح بوطالب.

يقول عبد الهادي بوطالب بهذا الخصوص:" كنت على رأس سفارة المغرب بدمشق عندما طُُلب مني العودة على وجه السرعة إلى المغرب، حيث قيل لي إن الملك عيّنك وزيرا دون أن أعرف القطاع الذي كلفني به، وفور وصولي إلى مطار الرباط ـ سلا، وجدت في انتظاري من أخبرني أن عليّ الحضور صباح اليوم الموالي إلى الديوان الملكي بقصر الرباط، وصلت في الموعد المحدد، وقد تناهى إلى سمعي صياح ملحوظ بالقاعة التي كان يتواجد بها الملك وأحمد العلوي، كما وصلتني ملاسنات بصوت مرتفع بين الطرفين. وبعد هنيهة خرج أحمد العلوي، حيّيته لكنه تجاهلني وتابع سيره دون أن ينبس ببنت شفة.. ذلك أنه لم يستسغ أن يُخبره الحسن الثاني، بأنني سأخلفه على رأس وزارة الأنباء".. ربما يكون وزير الملك الدائم، قد اعتبر أن الأنباء مجال مفصلٌ على مقاسه، لا يصلح لأحد غيره حتى يطلع وحده بمسؤولية تسييره وتدبير أموره.
وحسبما أكده نفس المصدر مطلع، فإن أحمد العلوي، هو الوزير الوحيد الذي رفع صوته في حضرة الملك، قبل الجنرال محمد أوفقير، في آخر ليلة من حياته بقصر الصخيرات حينما ولجه راجلا وخرج منه محمولا. ومرد هذا ـ حسب المصدر المذكور ـ يرجع إلى العلاقة الخاصة التي كانت تجمع الملك بابن عمه المُفترض، أحمد العلوي، كونه محسوبا على "الشرفاء العلويين". وقد كان سائدا في عهد الملك الحسن الثاني، أن لا يعلم وزير بوقوع تغيير في وزارته، لدرجة أن يُفاجأ بخبر يذاع على الأثير (الراديو) أو التلفزة مفاده أن الوزير "فلان" أقيل من منصبه وأن "علان" أخذ مكانه.

"ماروك سوار" مملكة أحمد العلوي


ظل أحمد العلوي يرأس مجموعة "ماروك سوار" لعدة عقود حتى تم بيعها لإحدى المجموعات الاقتصادية الكبرى في الدار البيضاء، قبل تفويتها للثري السعودي "عثمان العمير".

تمكن أحمد العلوي من وضع يده على مجموعة "الماص" في إطار سياسة المغربة التي اعتمدها الملك الحسن الثاني في سبعينات القرن الماضي لمعاقبة الفرنسيين. وبعد ذلك أصبحت "مملكة" أحمد العلوي تحمل اسم "مجموعة ماروك سوار" والتي صال وجال فيها دون حسيب أو رقيب على امتداد عقود.

ومن المجالات التي ظلت محاطة بضباب كثيف، في عهده، الوضعية المالية للمجموعة، التي كانت على مشارف الإفلاس، قبيل اقتنائها من طرف ثري القطاع البنكي، عثمان بنجلون، الذي أرغم بعد فترة على تفويتها لعثمان العمير.

في البداية شككت "قناة الجزيرة القطرية" في صفقة بنجلون، مدير مجموعة "فينانس كوم"، ولم تتسرب وقتئذ أي معلومة حول ثمن الصفقة ولا عن طبيعتها القانونية.

وقيل آنذاك إن ضغوطات قوية مورست على عثمان بنجلون لإبعاده عن المجال الإعلامي. إذ كانت البداية بتنحيته من مجلسي إدارة مؤسستي محمد الخامس للتضامن وجامعة الأخوين بإفران، لا لشيء، سوى بسبب رغبة عنَّت له، في الحصول على استقلال مالي، مما ضايق بعض الجهات الوازنة في المغرب، سيما أن أغلب نشاطات واستثمارات ومصالح "بنجلون" كانت مرتبطة بها، قبل سعيه إلى فك هذا الارتباط.

ضمن هذه الأجواء، تمت صفقة تفويت مجموعة "ماروك سوار" الحاملة، لحظتئذ، لواء الصحافة المكتوبة الرسمية، وفاز بها الثري السعودي عثمان العمير الذي كان قبل سنة 1997 رئيس تحرير صحيفة "الشرق الأوسط"ومُنشئ موقع "إيلاف" الالكتروني وصاحب عدة ممتلكات ببلادنا، علما أنه أشرف أيضا على الترجمة العربية لكتاب "ذاكرة ملك".

اكتنف تفويت مجموعة "ماروك سوار" جو مطبوع بتهييج رسمي وغير رسمي، للرأي العام الوطني ضد الصحافة المستقلة، التي دأبت منذ انطلاقتها، على اعتماد مقاربة مخالفة للقضايا المغربية الكبرى. لذلك وُصفت بكونها باعثة على الإحباط والتيئيس ومصرة بـ "وقاحة" غير مسبوقة، على تجاوز الخطوط الحمراء، سيما في تعاملها مع شخص الملك والأسرة الملكية والبلاط عموما.

في خضم تلك الأجواء، صدر بيان "نداء من أجل المواطنة" الذي كان بمثابة صك اتهام وحكم إدانة في حق الصحافة المستقلة والصحفيين العاملين بها، حيث حرص على "منح" صك المواطنة، اعتمادا على معيار: مباركة الخطاب الرسمي، مهما كان فحواه، والإشادة به والتطبيل له، ومن امتنع عن ذلك فهو "من العاقين الضالين المغضوب عليهم، المتآمرين على الوطن والساعين إلى زرع البلبلة والتشكيك في المكتسبات المحققة".. ومن المفارقات الغريبة أن المشهد نفسه يتكرر الآن.

آنذاك تكالبت جهات عديدة على كل من كان يغرد خارج سرب الإعلام الرسمي، إذ كان من اللازم مدح شعارات "العهد الجديد" وضمنها "المفهوم الجديد للسلطة" و "مشاريع الخير والنماء".

"ماص" هو الاسم الذي كانت تحمله مجموعة "ماروك سوار" لمّا كانت في ملكية الفرنسيين قبل بداية السبعينات، والتي كانت تكن موقفا عدائيا للمغرب والمغاربة، لارتباطها بالفكر الاستعماري القديم والاستعماري الجديد أيضا.

وبتغيير الاسم أصبحت المجموعة تشكل "صحافة الدولة"، ومن المعلوم أن أحمد العلوي تخلى بدوره عن المجموعة لفائدة مجموعة عثمان بنجلون في ظروف غامضة، وقد مورست حينها ضغوط على مجموعة من الصحافيين للاستقالة منها.
وقد سبق للصحافي عبد الله الستوكي، أن أعلن عن استغرابه الكبير من إصرار البعض على التأكيد أن مؤسسها هو أحمد العلوي، في حين أن أول رئيس لمجموعة "ماروك سوار" (بعد مغربة مجموعة "ماص" الفرنسية) هو أحمد بنكيران.


صاحب "إنها ملهمتي" يحرج الوزير أمام الملك


شعر أحمد العلوي، وزير الأنباء والثقافة وقتئذ، بحرج كبير في حضرة الملك الراحل الحسن الثاني، عندما قام بتوظيف الفنان أحمد الغرباوي، صاحب رائعة "إنها ملهمتي" في بداية ستينات القرن الماضي في سلم، لم يرض عنه الحسن الثاني.

بدأت الحكاية حينما طلب الملك إحضار الفنان أحمد الغرباوي إلى العاصمة الرباط، فتعذر العثور على مكان وجوده بالدار البيضاء فطلب منه الملك الاستقرار بالعاصمة الإدارية عوض الاقتصادية حتى يكون قريبا من البلاط.

لكن الغرباوي امتلك الجرأة للرد على الحسن الثاني بطريقة ديبلوماسية. حيث عبّر عن رفض مغلف بالحاجة، متحججا بعدم قدرته على التخلي عن الاشتغال في العلب الليلية ومراقص مدينة الدارالبيضاء لتأمين مصدر عيشه.

عندها أمر الحسن الثاني وزيره الدائم أحمد العلوي، بتوظيف المغني احمد الغرباوي في الإذاعة والتلفزة أو في وزارة الثقافة، ليبقى رهن إشارة القصر الملكي.

ويؤكد سعيد هبال أن الوزير أحمد العلوي عينه في السلم السابع، ولما قابل الملك الحسن الثاني الفنان أحمد الغرباوي، سأله "هل أعجبك السلم الذي عينك فيه الوزير؟" فأجابه الغرباوي بوقار ينم عن عدم الرضا "لقد وظفني في السلم السابع".

غضب الملك وقال لوزيره الدائم:"هل مبدع "إنها ملهمتي" يُوظف في السلم السابع فقط؟" فقام بترقيته توا إلى السلم التاسع.


أحمد العلوي ولي نعمة مراسل "رويترز"

قال "ستيف هيوز" عميد المراسلين الأجانب بالمغرب والمدير السابق لمكتب وكالة "رويترز" بالرباط، في حديثه إلى جريدة الشرق الأوسط، إن أحمد العلوي كان يستقبل المراسلين الأجانب المعتمدين بالمغرب، في لقاء صحفي يومي، لإمدادهم بالمستجدات، وقد كانت المناسبة عُرفا في عهده.

كما اعترف أنه مدين له بعدد كبير من "الخبطات" الصحافية (السكوبات الإعلامية) التي أنجزها على امتداد مشواره المهني ببلادنا.

وقد سألته ذات يوم سيدة أجنبية :"كم يوجد بالمغرب من وزير للأنباء؟" لأنها كانت في حيرة من أمرها، بعدما لاحظت أكثر من مرة أن وزير الأنباء، كان يحضر خلال نفس اليوم بمدن مغربية متعددة، للقيام بأنشطة رسمية مع الإدلاء بتصريحات مباشرة هنا وهناك.

يؤكد المقربون من أحمد العلوي، أنه لم يكن يكلّ ويتعب، وحتى عندما أقعده المرض ثمان سنوات، كان ينتقل بكرسيه المتحرك لحضور أنشطة رسمية، والظهور باستمرار في مراسيم الاحتفالات والمناسبات الوطنية والدينية.

ظل "ستيف هيوز" مدينا لأحمد العلوي، لأنه منحه فرصة البقاء مهلة إضافية بالمغرب عندما قرّرت وزارة الإعلام سنة 1973 (لم تكن تابعة لأحمد العلوي وقتئذ) طرده من بلادنا، على خلفية نشره أخبارا عن أحداث إلقاء القبض على مجموعة مسلحة في شرق المغرب، وقيامها بأعمال شغب مع استعمال الأسلحة النارية لحث المواطنين على الانتفاضة ضد النظام.
يُعتبر أحمد العلوي، في رأي "ستيف هيوز" أقدم وزير دائم في تاريخ المغرب المستقل، ومرجعا أكيدا في تاريخ الأسرة العلوية، وتفاصيل حياة الملوك العلويين.


أحمد العلوي: "تيرموميتر" الشعب لدى الحسن الثاني


قام أحمد العلوي بأدوار كثيرة، منها دور الوسيط بين زعماء الحركة الوطنية والسلطان محمد الخامس في بداية الخمسينات، إلا أن أحمد رضا كديرة نافسه في الأدوار السياسية، مما دفعه إلى البحث عن مجالات أخرى تُمكّنُه من التألق بعيدا عن مجال المنافسة.

استفاد أحمد العلوي من شبكة علاقات، نسجها منذ شد الرحال إلى عاصمة الأنوار باريس، لدارسة الطب بعد إنهاء تعليمه بثانوية مولاي إدريس بفاس.

وكانت تربطه علاقات حميمة بالعديد من الرؤساء العرب والأفارقة ومسؤولي "فرانس أنتير"، كيف لا وهو الذي استمر وزيرا لمدة أربعة عقود أو ما يزيد؟

من الأدوار التي تميز بها أحمد العلوي، سعيه وراء القرب من الملك الحسن الثاني ـ عندما تأكد أنه غير قادر على مجاراة رضا كديرة في الحلبة السياسية ـ أنه اجتهد في نقل ما يجري في ثنايا المجتمع المغربي إلى الملك، ثم أضحى يمده بتقارير يومية، شفوية وأحيانا مكتوبة، عن أحوال المغرب والمغاربة، وذلك بطريقة حرص فيها على عدم إثارة غضبه، لأنه كان من أكثر العارفين، أن الغضبات الملكية لا تمر بدون عواقب. مما جعله يفكر كثيرا في نقل الأخبار السيئة بطريقة تبعث على الضحك والمرح عوض افتعال الغضب والقلق فوريا.

ومن تداعيات عدم قدرته أيضا، على منافسة غريمه، أحمد رضا كديرة صديق الملك، في القيام بالأدوار السياسية، لجأ إلى محاولة التألق في إنتاج "الأفكار" وبلورة "المفاهيم الجديدة" وذلك بعرض تحليلاته لأفكار الملك وسياسات البلاط ومبادراته. ومن ذلك أنه ساهم في إحداث حزب التجمع الوطني للأحرار سنة 1977 بعد جمع النواب المستقلين والوزراء السابقين وبعض الأعيان.

قال عنه الحسن الثاني وهو يوصي وزيره الدائم في الداخلية، إدريس البصري:" شوف، مولاي أحمد ما عمّرك تفرط فيه، راه يلا جاب ليك ميات فكرة، على الأقل تأخذ منها وحدة مزيانة".
ومن أفكاره، حسب أكثر من مصدر، إحداث منطقة سياحية وسلسلة فنادق على طول المحيط الأطلسي، سيما بين بوقنادل والشمال، وكذلك فكرة إحداث المهرجانات الفلكلورية والتقليدية، وقد كان مهرجان مراكش للفنون الشعبية من اقتراحه. كما ساهم بمعية أحمد الدليمي في خلق منظمة "الرجال الزرق" و"حركة التحرير الصحراوية" المسلحتين، للتصدي لجبهة البوليساريو في بداية نشأتها.

وهو ما مكنّه من التدخل في كل كبيرة وصغيرة، وبفضله أصبح مفهوم وزير الدولة بالمغرب (دون حقيبة) مفتوحا على كل القطاعات لينال الأهمية الموالية للوزير الأول قبل وزير بحقيبة.
وقبل أن يفتح الملك الحسن الثاني ملف الصحراء رسميا، خلال ندوة صحفية في غضون شهر شتنبر سنة 1974، ظل أحمد العلوي يدافع بشدة وشراسة، عبر افتتاحياته، عن التصور السياسي، الاقتصادي والاجتماعي للملك، تلك كانت معركته التي جبل قلمه عليها. وكان هو أول من أطلق مفهوم "الديمقراطية الحسنية" الذي حاول من خلاله الترويج لشعبية المؤسسة الملكية.
وفي الثمانينات اهتم أحمد العلوي ب"المواسم" ولم ينقطع عن حضور أهمها، سيما موسم مولاي عبد السلام بنمشيش، وخصص له حيزا مهما بجريدة "لوماتان" لإعادة هيكلة بعض المكونات الحضارية للهوية المغربية، سعيا وراء توظيف مواسم الأولياء الصالحين وصفة "الشرفاء" والانتماء إليهم، خاصة بعد انفجار ما عرف بـ "ثورة الشريف الزيتوني" بمدينة فاس في غضون الثمانينيات، وهو شيخ كان في الثمانين تمكن من جمع بعض الأتباع حوله، وحثهم على الانتفاض ضد نظام الحسن الثاني، الذي كان يعتبره بعيدا عن الإسلام، فحُكم بعشر سنوات ليلقى حتفه بعد ذلك في السجن.


كرة القدم وعائدات الخمور


قبل سنوات كانت مجموعة من فرق كرة القدم، تعتمد بشكل كبير على عائدات الخمور المستهلكة بحانات نواديها.

وقد تدخل أحمد العلوي، بصفته وزير الدولة، لتمكين فريق الوداد الفاسي من التحكم في إحدى الحانات، وبذلك أسدى خدمة مهمة لفريق مسقط رأسه. وكانت "حانة الواف" تدر على الفريق أكثر من 3 ملايين درهم سنويا، وهو مبلغ يمثل أكثر من ثلث ميزانية النادي.
ذلك أن فرقا عديدة كانت تسمح بترويج الخمر والجعة بنواديها، التي كانت تضم حانات باسم الفريق.

في هذا المضمار، وقبل سنوات، عقد عمدة فاس اجتماعا مع المكتب المسير لفريق المغرب الفاسي، لدراسة سبل تمكين الفريق الأول للعاصمة العلمية، من موارد مالية مهمة وقارة، فاقترح عليه إعادة هيكلة حانة النادي، لتحويلها مع الأرض المجاورة لها، إلى مشروع تجاري ضخم، لكن الفكرة لم يُكتب لها النجاح.

قبل ذلك كانت تلك الحانة، تضخ أكثر من 3 ملايين درهم سنويا في صندوق "الماص"، حينما تمّت حيازتها. بعدما كانت في ملكية فريق استعماري تم حله بعد حصول المغرب على الاستقلال.
ومعلوم أن مجموعة من الأندية الرياضية (كرة القدم، كرة المضرب، الكرة الحديدية...) حانات تدر عليها أموالا تساعدها على تدبير أمورها، بعضها تُسير مباشرة، وبعضها الآخر يخضع لمسطرة التدبير المفوض، من خلال عقد استغلال، ولا يوجد فرق بين هذه الحانات والحانات الخصوصية المرخص لها ببيع الخمور، ما عدا فيما يرتبط بالثمن، إذ إن السعر بحانات النوادي غالبا ما يكون أقل من السعر المعتاد، لأن هذه الأخيرة كانت معفاة من الضرائب والرسوم التي تثقل كاهل الحانات الأخرى، ومن الأتاوات التي يفرضها "أصحاب الحال".


ليالي القصر مع اللِّجن الخاصة


عمد الملك الحسن الثاني على إحداث لِجَن خاصة، تتسقط الأخبار والمعطيات، في مختلف المجالات.

وكان أحمد العلوي حينها، يشرف على إحداها، وهي اللجنة الخاصة التي أحدثها الملك الحسن الثاني للبحث في بطون الكتب الحديثة، الصادرة باللغات العربية والإسبانية والفرنسية والانجليزية والألمانية والعبرية، قصد قراءتها وتلخيصها قبل عرضها ومناقشتها في مجالس الملك الخاصة، وكانت مناسبة حقيقية لمطارحة الفكر والأدب وشتى مجالات المعرفة.

ويُحكى أن أحمد العلوي، في إحدى هذه الجلسات الخاصة، لاحظ أن الملك كان غاضبا، فاستأذنه وكأنه سينقل له نبأ عظيما. وبعد أن سمع الملك ما أسر به وزيره الدائم، انفجر ضاحكا، ولم يعرف الحاضرون فحوى ما جادت به قريحة أحمد العلوي لإخراج الحسن الثاني من كدره الشديد سوى قلة من الحاضرين.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما كانت هناك لجان أخرى، مُقَعّدة جيدا، تنظيما وتسييرا وتمويلا، متخصصة في جمع المعلومات والمعطيات وهي (في "ميكتها" كما يقال).

فكانت لجنة الملحون، التي ترأسها الفنان محمد الهاروشي، ولجنة الطرب التي قادها الفنان أحمد البيضاوي الذي كان يراه الحسن الثاني زريابا أبيض.

وكانت هناك أيضا، لِجن ذات اختصاصات أخرى وفي مجالات مختلفة، دأب الملك الحسن الثاني على الاجتماع بها في سكون الليل، لا يحضرها إلا بعض المقربين، ولم يسبق أن تسرب ما يدور فيها إلا نادرا جدا، نظرا لأن الملك كان متشددا في أمر إفشاء ما كان يدور فيها.

كانت هناك، أيضا، لجنة اهتمت بما يجري في الأزقة والدروب بالأحياء الشعبية والمهمشة، من أقوال وتعليقات ونكت وانتقادات عن الملك والقصر والمقربين منه والمسؤولين الكبار.
خلال هذه الاجتماعات الخاصة، غالبا ما كان أحمد العلوي يشنف أسماع الحاضرين بنكاته الجريئة.


في صحبة الملك خلال لحظتين انقلابيتين


كان أحمد العلوي رفقة الملك، خلال المحاولة الإنقلابية الأولى، بقصر الصخيرات في يوم عاشر يوليوز سنة 1971، والثانية على متن الطائرة الملكية التي تعرضت للهجوم في يوم 16 غشت سنة 1972.

ومن أقوى اللحظات التي يتذكرها عبد اللطيف الفيلالي، أنه كان صحبة أحمد العلوي سنة 1971، عندما وقعت أحداث الصخيرات الدامية التي تعرض فيها الملك الحسن الثاني لمحاولة انقلابية .. إذ قال :"كان أحمد العلوي أول من رفع صوته هاتفا "عاش الملك" بعدما انفرجت كربة الصخيرات، وقد تعرف الجنود على الحسن الثاني فسلّموه أسلحتهم".

في انقلاب الصخيرات، كان أحمد العلوي ضمن المجموعة الصغيرة التي أحاطت بالملك، بإحدى ملحقات قاعة العرش، والتي ضمت الوزير الأول وقتئذ، أحمد العراقي والجنرال محمد أوفقير وأحمد السنوسي وأحمد بلافريج. استقر الجميع بالمرافق الصحية وجرى التنبيه الى تجنب استعمال المياه، خشية إحداث ضجيج قد يكشف المخبأ، ويُنبّه الجنود الإنقلابيين، الذين كانوا يبحثون عن الحسن الثاني بأمر من الكولونيل محمد عبابو.

أحمد العلوي كان أيضا على متن الطائرة الملكية، عندما تعرضت للهجوم في سماء تطوان.
قال هذا الأخير في إحدى المناسبات".. انخفضت سرعة الطائرة.. اهتزازات مرعبة كانت تؤرجحها، وقدّر الجميع أنها ستنفجر بين ثانية وأخرى.. ثقوب الرصاص المتطاير في عدة أمكنة.. غزا دخان كثيف من الخلف الطائرة، وهي في كبد السماء.. أصيب الفرنسي "ساسيا" حارس الملك الشخصي، في حين لقي حارس آخر حتفه.. جرح سكرتير الملك الخاص جرحا بليغا.. آنذاك كان مصور الملك "لينه" (الفيتنامي الأصل) يقوم بالتقاط صور الفاجعة.. إلى جانب الأمير مولاي عبد الله شقيق الملك، والأمير مولاي علي ابن عمه، والعقيد أحمد الدليمي و(أحمد العلوي) ومجموعة من أصدقاء الملك والمقربين.. كل هؤلاء عاينوا جو الرعب والخوف داخل الطائرة الملكية.. آنذاك كان عددهم 60 نفرا.. فنزلت بمطار الرباط ـ سلا..".

قيل آنذاك إن الملك لجأ إلى سفارة لبنان بالعاصمة، في حين قصد شقيقه سفارة فرنسا، وترك موكبه طعما للطائرة القاصفة.. وصرح أحد الشهود، يدعي حضوره بمقربة من القاعة الشرفية، أن أحمد العلوي اتجه إلى المطار العمومي للبحث عن هاتف قصد الاتصال، وقد استنجد بأحد رجال الشرطة لبلوغ هدفه.


رجل المهام الطارئة : "نحن نعتقل الخونة وأنتم تُفرجون عنهم"


بسبب علاقته الوطيدة به، كان الحسن الثاني يكلف وزيره الدائم ببعض المهام الطارئة التي كانت تستوجب تدخلا خاصا أو فوريا. من هذه المهام التدخل لصالح عائلة المنصوري (أحد ضباط الحرس الملكي) بعد اتهام والده وشقيقه من طرف الاستقلاليين بالخيانة العظمى.

في هذا الصدد، يحكي ابن المنصوري، الضابط بصفوف الجيش (الحرس الملكي) أن لجنة تابعة لمفتشية حزب الميزان بمراكش حكمت، في فجر الاستقلال، بمصادرة نصف أملاك والده وثلثي أملاك شقيقه، بعدما وجهت إليهما تهمة الخيانة الوطنية. وقد أُرجع السبب إلى رغبة الانتقام من محمد المنصوري، الذي طالب في مفاوضات "إيكس ليبان" بعودة الملك محمد الخامس إلى عرشه، علاوة على علاقاته بمنظمة "الهلال الأسود" للمقاومة التي كان حزب الاستقلال وجيش التحرير يحاربانها. علما أن المنصوري كان من المتمتعين بالحماية الانجليزية، في عهد الاستعمار (كانت بمثابة حمل الجنسية). أخبره أحد الاستقلاليين أن عليه وضع مبلغ 3 ملايين سنتيم في صندوق ضريح سيدي بلعباس بمراكش للتستر على أمر تعامله مع السلطات الاستعمارية، وإفلاته من تهمة الخيانة ومصادرة أملاكه. إلا أنه رفض الخضوع لهذا الابتزاز، فقام الاستقلاليون باعتقاله رفقة ابنه وصودرت أملاكهما. وعندما علم الكولونيل المنصوري (الابن) بما جرى لوالده وشقيقه، توسط له الكولونيل أبو الحمص وحمله إلى الملك الحسن الثاني (ولي العهد آنذاك).

بعد علمه بالنازلة، نادى الملك أحمد العلوي، مدير ديوانه وقتئذ، وأمره توا بالتدخل الفوري لإخلاء سبيل الأب والابن المعتقلين، وهذا ما حدث. لكن الزعيم علال الفاسي لم يستسغ ما جرى فقام بالاتصال بالملك محمد الخامس وقاله له:"نحن نعتقل الخونة، وأنتم تفرجون عنهم"، ولم يكن أمام الملك إلا أن يعاتب ولي عهده وإصدار أمر بإعادة إلقاء القبض على المنصوري ونجله.
وخلال ثمانينات القرن الماضي أعاد الكولونيل المنصوري (الابن) تحريك القضية من أجل استرجاع الأملاك المصادرة، ورغم أن الملك أبلغ الكولونيل، عبر وسيط، بأنه يعرف أن عائلة المنصوري متضررة جراء الظلم الذي لحقها وأن كل شيء سيكون بـ "خير" إلا أن الوضعية ظلت على ما كانت عليه.