الرباط 16-10-2009

حافظت زيجات الأمراء والأميرات على الطقوس والأعراف والعادات العريقة، رغم الحداثة والعصرنة التي بدأت تخترقها بقوة

__________________________

دون شك إن تطورات عديدة طرأت على بعض حيثيات البروتوكول المخزني المتعلق بالزواج الأميري منذ الملك الراحل محمد الخامس الذي تميّز عهده بالبساطة في الإجراءات المتعلقة بالزفاف وإحياء الحفلات، خلافا لما كان عليه الحال في عهد نجله الملك الراحل الحسن الثاني الذي قيل عنه إنه كان يميل أحيانا إلى التصنع والمبالغة

بخصوص الزيجات الأميرية، كما هو الأمر بالنسبة للحياة اليومية، غالبا ما يتناسى عموم الناس أن الملك وأفراد العائلة الملكية هم بشر. فالملك أو الأمير، إنسان، إلا أن عليه أن يجسد قدوة الأمة، وفي هذا الإطار يمكن فهم حرص البلاط على التقاليد والأعراف المخزنية العتيقة فيما يرتبط بحفلات الزفاف وإجراءات الزيجات الأميرية

ويختلف العرس عند الأسرة الملكية من حيث أهميته وحجمه، من أميرة إلى أخرى، وحسب الظرفية العامة، إلا أن محتواه ومجرياته وطقوسه وأعرافه الرئيسية ظلت ثابتة دون تغيير منذ عقود. وقد تحتفل البلاد بكاملها ببعض الزيجات الأميرية، وقد يقتصر بعضها الآخر على العائلة الملكية

الزواج الأميري شأن ملكي بامتياز

ظل الملك يقوم على تزويج كل أفراد العائلة الملكية مهما كان موقعهم ومرتبتهم الاعتبارية في هرم الحكم والسلطة، بدءا من أبناء الملك وأشقائه وشقيقاته وأبناء العم والعمّات والخالات، إذ لابد من موافقة الملك على الزيجة ومباركتها. فالمباركة الملكية تعتبر فرض عين لا يمكن استكمال الزواج بدونها. وهذا أمر ظل جاري المفعول، وقد حسم محمد السادس، بصفته ملكا وأميرا للمؤمنين، أمر بعض الزيجات الأميرية، آخرها خطبة الأميرة لالة سكينة الملغاة وزيجة الأميرة مولاي إسماعيل من أنيسة ليمكول، وقبلهما زيجات بعض أبناء وبنات عماته وشقيقاته

إن الزواج الأميري يتخذ بالمغرب صفة قضية دولة، الحاسم فيها هو الملك. ولم تخرج حالة الأمير مولاي إسماعيل عن هذه الدائرة رغم أنه اختار الارتباط بأجنبية، إذ كان من اللازم الحصول على موافقة الملك لتحقيق الزواج والإعلان عنه

إن الفصل النهائي في أمر الزيجات الأميرية بيد الملك الذي يمتلك كلمة الفصل الأخيرة بخصوصه، رغم أن المسألة شخصية فقد يساهم غير الملك في ترتيب الزيجة من وراء الستار، لكن الحسم في الأمر يعود إليه في الأخير، دون سواه، حيث لا يمكن تصور زواج أمير أو أميرة بالمغرب دون موافقة ومباركة ملكيتين

ويحكى في عهد الملك الراحل الحسن الثاني أن حالات من أهل التواركة ـ ليس الأمراء ـ ظلت معلقة لأن الملك لم يتذكر الأمر ولم يعلن عن موافقته، كما أن المعنيين بالأمر لم يجرؤوا على تذكيره بالقضية ولم يتم الزواج أبدا، بل بقي معلقا بين السماء والأرض

إن زواج الأمراء والأميرات قضية دولة لا يحسم فيها إلا الجالس على العرش. لكن يبدو أن الملك محمد السادس، أضحى خلافا لوالده، يتعامل بهذا الخصوص انطلاقا من روح العصر وعقلية جيله، وهذا ما تبرزه موافقته على خطبة هشام الخميري للأميرة لالة سكينة، التي فضلت في آخر المطاف فسخها، وكذلك مباركته لعقد قران ابن عمته، مولاي المهدي على كنزة السليماني نجلة شقيق عبد المغيث السليماني، خليل السليماني، القريب من أرملة إدريس البصري

اختيار أصهار الملك

جرت العادة وفق الأعراف والطقوس المخزنية المتوارثة أن يختار الملك زوجات الأمراء وأزواج الأميرات. ولهذه الغاية كانت تقدم لائحة للمرشحين، للملك قصد الحسم في الأمر وذلك بعد القيام بأبحاث وتقصٍّ دقيق حول المرشح وماضيه وعائلته وأصولها ونشاطها وطبيعة ارتباطاتها وموقعها الاجتماعي ومكانتها الاعتبارية والاقتصادية وروابطها بالخارج. وبعد الاختيار لا يتم إتمام مراسيم الزواج إلا بعد موافقة الملك الصريحة ومباركته. وقد حدث هذا بالنسبة لزيجات بنات الملك الراحل الحسن الثاني وشقيقاته

ولم يسبق، في عهد الراحل الحسن الثاني، أن تم الإعلان عن إلغاء خطوبة أو زواج تم الإعلان عنه. وتعتبر حالة الأميرة لالة سكينة، نجلة شقيقة الملك محمد السادس، الأميرة لالة مريم سابقة في هذا المجال، إذ ترك الخال (الملك) فرصة اتخاذ القرار النهائي بخصوص الزواج، للمعنية بالأمر لحسم أمر عقد قرانها بهشام الخمري، بعد الإعلان رسميا عن مراسيم الخطوبة.

عُرْف الحفاظ على نقاء دم الشرفاء

قديما سادت قاعدة مفادها أن "الشريف" لا يتزوج إلا من "الشريفة"، و"الشريفة" لا تتزوج إلا من "الشريف"، وهي قاعدة توارثها الملوك العلويون وترسخت كعرف تكسر على امتداد عهود الملوك الثلاثة، محمد الخامس، الحسن الثاني ومحمد السادس

ومن الأميرات القلائل اللواتي خضعن لهذا العرف في المغرب الحديث، فاطمة الزهراء العزيزية، نجلة السلطان عبد العزيز التي عقد الملك قرانها على الشريف بلمهدي، علما أن الملك الراحل محمد الخامس ووارث سره الراحل الحسن الثاني تصاهرا مع غير الحاملين لصفة "الشريف" أو "أمير".

هذا العرف كان يشجع زواج أبناء وبنات العمومة فيما بينهم، قبل تكسيره، وذلك للحفاظ على نقاء دم الأسرة العلوية، الحاكمة، كما كان عليه الأمر في مختلف ملكيات العالم

وهناك من يرى أن تكسير هذا العرف والتخلي عنه فرضته التطورات التي عرفتها بلادنا والمنظومة الاجتماعية، إذ أضحى الزواج،  بما فيه الأميري، يخضع لاعتبارات سياسية مصلحية

علما أن الزواج الملكي خضع لعرف كسّره الملك محمد السادس، مفاده أن الملك الجديد لا يتزوج إلا بعد وفاة الملك وقبيل اعتلائه العرش، مما يجعل أمر الخطبة وإقامة حفل زفاف الملك غير وارد

فكل الزيجات الأميرية بالمغرب اتبعت نفس المسار بدءا من "الخطبة" ثم "الهدية" وليلة الحناء ويوم "حمام العروس" و"البرزة" و"رقصة الطواف بالعمارية" واستمرار الاحتفالات سبعة أيام بلياليها. وبعد حفل القران يقوم القصر الملكي بإخبار التمثيليات الدبلوماسية ببلادنا بأمر الزواج الأميري

ومن الإجراءات التي دأب القصر الملكي على ممارستها، إعلام وإخبار المغاربة بإتمام الحفل ومجرياته ومكان إحيائه.

تحرير عقد النكاح

من الأعراف والعادات القديمة للبلاط، أن عقد القران في الزيجات الأميرية يتم تحريرها بباب القصر الملكي، علما أن هذه الوثيقة تعتبر بمثابة رباط سام وعقد مقدس

ومن الآيات القرآنية التي ظلت حاضرة في مختلف عقود النكاح المبرمة بالقصر الملكي، "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان". وحسب العارفين بخبايا هذه الأمور، يكمن مغزى تحرير عقد النكاح الأميري بباب القصر في أنه تعبير رمزي وقوي من طرف ولي العروس (الملك)، فحواه أنه يتنازل عن مسؤولية رعاية كريمته والعناية بها ويلقيها على عاتق العريس الذي يصبح منذ تلك اللحظة ملزما بزوجته. كما أن لهذا الإجراء المخزني مغزى آخر، وهو أن عقد الزواج لا يفرق بين أمير وغيره من الناس

وإذا كانت عقود نكاح الأمراء والأميرات لا تختلف عموما عن عقود باقي المغاربة، فإنها تتميز عنها ببعض الخصوصيات الدقيقة، منها اعتماد عبارات خاصة لا يستخدمها العدول بالنسبة لعموم الناس، مثل وجود عبارة خاصة في الدباجة تقول "رغب فلان في مصاهرتنا"، عوض العبارة المعتادة "تزوج فلان بفلانة على سنة الله ورسوله"، وهذا أمر فرضه البروتوكول الملكي المخزني من الناحية الشكلية حفاظا على الوضعية الاعتبارية للملك وقدسية شخصه، لكنه لا يغير من الأمر شيئا من حيث الجوهر الشرعي للعقد

الحسن الثاني والزيجات الأميرية

كان الملك الراحل الحسن الثاني حريضا أشد ما يكون على أدق تفاصيل الإعداد للزيجات الأميرية ولحفلات الزفاف التي يقيمها القصر الملكي

فبقدر ما كان يبدو متفتحا وحداثيا، بقدر ما كان الحسن الثاني صارما جدا، في تطبيق التقاليد والأعراف المغربية داخل أسرته الصغيرة. لقد كان متشددا ولم يكن يسمح للأميرات أو قريباته بأي مجال للاختيار الحر لأزواجهن، خارج ما تمليه الطقوس والأعراف المخزنية العتيقة المحافظة

حرص الملك الراحل على جعل الأعراس الأميرية تمثل امتدادا وترسيخا للقيم التقليدية المغربية، كما عمل على تعزيز الجانب المحافظ في هذه المناسبات. في حين عمل الملك محمد السادس على إدخال نوع من التجديد والحداثة سعيا وراء تقريب أجواء الاحتفال بالزفاف الملكي أو الأميري للشعب والسماح بظهور العروسين معا والإعلان عن الزوجة المختارة ونشر صورها، لكن مع الحرص على إظهار الأسرة الملكية وهي تحافظ على جوهر العادات والتقاليد الثابتة المعتمدة من طرف كل المغاربة.

"الهدية"

ظلت "الهدية" عرفا ثابتا في مراسيم الزفاف الأميري، والذي تشارك فيه جميع القبائل والجهات وتتنافس بخصوصه

ففي عرس الأميرة لالة مريم تميزت احتفالية "الهدية" بطوافها عبر المدينة وعرفت بهرجة في مختلف شوارعها بالغناء والرقص

وتحمل القبائل والجهات "الهدية" تعبيرا عن مقاسمة البلاط فرحته، كما أنها تكون مناسبة لتكريس علاقة البيعة والولاء. علما أن الهدايا غير مفروضة وإنما هي عادة ترسخت عبر التاريخ، وفي هذا المضمار كانت تتنافس القبائل ومختلف جهات المملكة في عهد الراحل الحسن الثاني سعيا وراء تكريس صفة الفرص في عقول وفهم القائمين على الأمور آنذاك

اللباس والزينة

لا تخلو أبدا حفلات الزفاف الأميري، من يوم "البرزة" و"رقصة طواف العمارية" التي تستقطب اهتمام كافة المدعوات، لكونها مناسبة للتباهي بالألبسة التقليدية الأصلية و"المعصرنة" وكل ما يرافقها من إكسسوارات، سيما حلي الزينة.

في هذه الليلة تبرز العروس بألبسة تقليدية مختلفة بحليها وإكسسواراتها، ومنها الحزام، الذي غالبا ما يكون عبارة عن "مضمة" من الذهب الخالص مرصعة بأحجار الياقوت والماس، أو "مضمة المحصور" وهو حزام من حرير رفيع يتوسطه "شويكة" أو "بزيم الفكرون" من الذهب المرصع بأحجار كريمة نادرة.

وهناك "طابع الشباني" وهي قطعة ذهبية مرصعة بأحجار كريمة ترافق المنديل ("السبنية")، و"خيط الريح"، وهو نوع من الحلي التقليدية تضعه العروس على جبينها، و"الشوكة" التي توضع على الصدر إضافة إلى الأقراط والخواتم والأساور والسلاسل، سيما ما يسمى بـ "التخمال" أو "الشمار"، وهي سلسلة ذهبية سميكة تحمل "بلوطة" (جوهرة خضراء) تستعمل لجمع كُميّ "التحتية" والقلادات ("الكروشي") التي تزين الصدر، هذا إضافة إلى الـ "شالات" التي تزين جنباتها بخيوط من الذهب الخالص

وهناك "الشرابيل" المزينة بخيوط من الذهب الخالص أيضا، وقد يستلزم إعداد "شربيل" من هذا النوع 10 إلى 20 غراما من الذهب الخالص من عيار كبير (24 كارا)، وتزين "شرابيل" العروس بما يسمى بـ "طرزة النطع" التي لا تتقنها إلا صانعات ماهرات، هُنّ قليلات الآن

في هذا المجال تتنافس المدعوات للأعراس الأميرية في اقتناء حلي بتصاميم نادرة وفريدة، في الأحزمة والأقراط والأساور والسلاسل والخواتم التي أضحت تصنع من الذهب الأبيض